نبذهم, عرف الناس هؤلاء ونبذوهم لأنهم نبذوا أمر الله وراء ظهورهم, وبعدما أسقطت الثورات هؤلاء أسقطت من اللباس ما كان يستر سوءة الراكبين للموجات الذين يُصدرون من الفتاوى ما يطلبه الناس, كشفتهم الأحداث وبينت تناقضاتهم, والعجب منهم كيف يتحدثون إلى الآن، لقد كان أناس من المتصدرين يدافعون عن الحكام ويُثبتون سلطانهم وينهون عن الخروج عليهم, حتى نظام تونس الذي حارب المصلين على مجرد الصلاة لم يعجز أن يجد من يُدافع عنه، فلما قامت الثورات إذا بهؤلاء يُشيدون بها ويمدحونها, فما أدري هل نسوا أم يظنون التاريخ ينسى!
أحدهم قدم إلى اليمن قبل الثورة دعا الناس إلى الاجتماع على علي صالح مثنيًا عليه بحسن الصفات, ولمّا انطلقت الثورة قام البئيس في الإعلام داعيًا (علي) إلى التنحي, فما الذي فرّق بين الموقفين؟
أليس من العجب أن يذهب أناس إلى ليبيا ليشرفوا على إعلان أفراد الجماعة المقاتلة التراجع عمّا كانوا عليه, فلمّا قامت الثورة الليبية إذا بهم يُشيدون بها ويدعون إليها, عجبًا لهذه العقول! لما قاتل المسلمون وحدهم كان القتال غير مشروع, فلما قام القتال بإشراف الصليبيين باركوه وأثنوا عليه, ولا عجب فلما تأذن أمريكا يُشرع القتال وإذا نهت عنه فإنه لا يجوز, هذا ما عرفناه عنهم خلال ثلاثة عقود.
وممن كشفتهم لنا الثورات أصحاب الفتاوى المزدوجة الذين يكيلون بمكيالين ويفرقون بين طاغوت وآخر مع أن جميع الحكام خرجوا من مزبلة واحدة، إذا تكلموا عن حسني وابن علي والقذافي وعلي وبشار تكلموا بشدة ورأيت منهم القوة والصدع بالحق والجرأة مدعين أنهم لا يخافون في الله لومة لائم, فإذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى وبدأنا الحديث عن الطواغيت الذين ما زالت قبضتهم قاسية ولا زال لهم ما يضغطون به على هؤلاء رأيت منهم لين الخطاب واللغة الهادئة, والعجب من بعضهم يُجيز المظاهرات في كل أرض الله دون بلده, والبعض يُشيد بالخروج على كل الحكام إلا حكام بلده, من خرج عليهم فهو من الخوارج! فما الذي فرق بين المتشابهات؟
إن على الأمة أن تعرف هؤلاء وتجتهد في تتبعهم حتى تعرفهم تمام المعرفة لتحذر من فتاويهم, فقد بدا واضحًا أنهم مقيدون وأنهم يخضعون لجهات أخرى يخافونها ويتقون غضبها, وإلا فما هو سر هذه الازدواجية في الفتاوى؟ ولو كان هؤلاء أحرارًا لرأيناهم يقولون كلمة الحق في وجه الحاكم القوي قبل الذي يترنح.
وهناك من العلماء من كنا نسمع منهم القول الحسن والكلام الطيب، لم نر منهم مداهنة للحكام أو وقوفًا في صفهم, كان يمنعهم من الثورة عليهم بعض ما يعتذرون به من ضعف أو عجز أو انتظار وقت مناسب, وندائي لهم اليوم: إن مصداقيتكم على المحك, وقد حان الوقت لتُبينوا للناس أنكم أصحاب دعوة وأن عندكم منهج تغيير, فكونوا من القوى الفاعلة وأعذروا أمام الله.