فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 254

إن من المصائب أن يدعو الداعية إلى منهج فإذا حانت الفرصة للعمل بقي متفرجًا يرقب ما يجري, ينتظر أن يقع عليه فعل الفاعل ولا يُفكر أن يكون صانعًا للحدث ومنقذًا للأمة, ويعلم الناس عندها أن دعوته مجرد دعوى, وأنه ليس إلا بائع أقوال.

ومن مكاسب الثورات أنها أثبتت واقعية دعوة المجاهدين وصحتها التي كانت ولا زالت تدعو إلى التحرر من التبعية إلى الغرب وإلى تحرير البلاد من حكامها الطواغيت وخلعهم, فقد كان المجاهدون هم أوّل من نابذ هؤلاء الحكام ودعا إلى خلعهم, ولقد دعوا إلى ذلك بجميع الوسائل, ولئن انتهجوا نهج القوة فإن ذلك لا يعني اعتراضهم على الوسائل السلمية, لقد كان المجاهدون يُسمون الحكام طغاة وطواغيت وينفون عنهم الشرعية, ويُعارضهم على ذلك خلق كثير, والآن ظهر صدق ما يقولون, فقد بان بالفعل أنهم طغاة وطواغيت, ولقد اتفق السواد الأعظم من الأمة على عدم شرعيتهم وتواطأ الناس على خلعهم, لقد كان المجاهدون يدعون إلى خلع أولئك الحكام ولو كلف ذلك ما كلف, كان المعترض يعترض بأن خلعهم يترتب عليه مشاكل كثيرة وفوضى ليس لها نهاية, كان المعترض يصف المجاهدين بالتهور وعدم المسؤولية والقصور في إدراك العواقب، والآن ظهر للمعاين أن الأمة قد اقتنعت بما كان يدعو إليه المجاهدون، فهاهم المسلمون في اليمن وليبيا وسوريا والبقية على الأثر بإذن الله يعزمون على خلع حكامهم مهما كلفهم ذلك ولو كان في ذلك قتلى وجرحى ولو شُردت في ذلك أُسر وملئت من الأسرى السجون؛ لأن المسلمين أدركوا أن معاناة الشدائد في خلع الحكام أهون من معاناتها مع الخضوع لهم.

إن إخواننا في ليبيا جلسوا يئنون تحت ظلم رب الكتاب الأخضر أربعة عقود فلما أذن الله بزواله مع تحرك الأحرار ما هي إلا عدة أشهر وأصبح الطاغية أثرًا بعد عين، صحيح أنهم قدموا من التضحيات شيئًا غير قليل لكنها لا تُعد مقابل العيش أحرارًا تحت حكم الله, ومثل هذا يُقال عن علي صالح وبشار وأبيه، لقد طفق البعض يُراهن على أن هذه الثورات أثبتت خطأ الخيار المسلح حيث ظنوا أن الخيار السلمي وحده كاف في إثبات فشل العمل المسلح ونسوا أن العمل المسلح هو الذي ضمن لهم بفضل الله عدم التدخل الأمريكي, وهو الذي أضعف أمريكا وأشغلها بنفسها ولولا ذلك لكان لأمريكا معهم شأن آخر, أضف إلى ذلك أن هذه الثورات السلمية لم تنضج ثمارها بعد وما زالت البلاد التي خلعت حكامها تنتظر القطاف, فإما أن يكون لصالح الشعب المسلم أو لصالح أمريكا, وليس هناك منزلة بين المنزلتين، لننظر إلى الواقع المصري؛ خُلع حسني، أدخل السجن، اقتيد إلى المحكمة، لكن لا زال الجيش متحكمًا في البلاد ولا زال يحرس حدود إسرائيل, وأنا على ثقة أن الجيش المصري لو ترك الشعب وشأنه لطرد اليهود من فلسطين, إن إرادة الشعب المسلم ومصلحته تتناقض كامل التناقض مع الإرادة الأمريكية؛ لأن أمريكا لا يُمكن أن ترضى بشرع الله ولن تتخلى عن إسرائيل, والشعب المسلم لا يُمكن أن يترك شرع الله أو يتنازل عن فلسطين, وإن الحكومات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت