إنّ السعي لتحكيم شريعة الله سيكلفنا الكثير من الشهداء، ولئن يستشهد الناس وهم يعلنون الجهاد ويرفعون راية التوحيد خيرٌ من أن يستسلموا للكفرة ويُذبحوا ذبح النعاج في حظيرة الجزار فلا سلموا من القتل ولا قاموا بأمر الله، ولئن يُقتل الناس وهم يعلنون المطالبة بتحكيم شريعة الله خيرٌ من أن يُقتلوا عبر تدجينهم للقوانين الوضعية كما تُدجّن الدجاج، يُذبح التوحيد في قلوبهم ذبحًا وهم لا يتحركون، فيُطمس الدين وتنشأ أجيالٌ على الإسلام وهي لا تفهم حقيقة التوحيد، فتُنقض عرى الإسلام عروةً عروة والناس لا يشعرون. قال ابن سحمان رحمه الله:"إذا عرفت أنّ التحاكم إلى الطاغوت كفر فقد ذكر الله في كتابه أنّ الكفر أكبر من القتل، فقال: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [1] وقال: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [2] والفتنة هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسول صلى الله عليه وسلم".
وقال سيد قطب رحمه الله:"إنّ كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليُعبد الله وحده في الأرض وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان، إنّ كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله يبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله، والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد وفوقها الأخلاق والأعراض، إنّ تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار". انتهى كلامه رحمه الله.
لقد أثّر استعجال الثمرة على البعض حتى استيقنوا أنّ القتال لا ثمرة منه بناءً على التجارب السابقة، وأنه لكي نحكم بالشريعة لا بد أن ننتظر حتى يأتي الله بأمرٍ من عنده يفرِّق الأحزاب ضدنا ونتحكم عند ذلك بأنفسنا، في استسلامٍ عجيبٍ للواقع وسلبيةٍ من كل شيء حتى من الدعوة للإعداد، وترى هؤلاء إذا تحدثوا عن القتال يضعون له من الشروط والضوابط ما يدل على أنهم يحكمون على المعركة مع قوى الكفر بالفشل إذا لم تُحسم في فتراتٍ وجيزة، ويردد بعضهم: لا للإسلام نصرتم ولا للكفر كسرتم.
يريدون أن تُحسم المعركة مع التحالف العالمي في مدةٍ قصيرة، وإلا فهي حربٌ خاسرة إن لم تكن في نظرهم محرَّمة.
وإنما أُتي أولئك لأنهم ألفوا الحياة المدنية حتى استقر في نفوسهم أنّ أم المصالح حفظ الحياة المدنية ولو حُكِمت بغير شريعة الله، وأنّ الاستقرار في ظل حكم المشركين أفضل من زعزعة الأوضاع في حال
(1) - البقرة 217.
(2) - البقرة 191.