ليست هذه المرة الأولى، فقد كثرت الحالات التي يتخذ فيها المعتوه قرارًا لصالح الليبراليين ويكثر بعده النقاش، وعلى إثر ذلك يظهر الضعف الشديد الذي بُلي به المنتسبون إلى التيار الإسلامي من المنقادين لسلطان آل سعود، حيث ظهر إفلاسهم وتبعيَّتهم للنظام، ولقد كانت قاصمة ظهورهم عندما ادَّعى ولي أمرهم أنه قد استفتى العلماء من هيئة كبار العلماء وخارجها، فلم يستطع سوادهم الأعظم أن يكذِّب تلك الدعوى، إذ كيف يكذِّبونها وقد ادَّعاها عندما أراد هدم التوحيد بالدعوة إلى تقارب الأديان؟
لم يكذِّبوا تلك فكيف يكذِّبون هذه وهي دونها بكثير.
لقد طفِق هؤلاء يحاولون رد هذا القرار بالأسلوب الذي لا يعرِّضهم لسخط ولاة أمرهم، كان أجرأهم من يقول بأن فلانًا وفلانًا من هيئة كبار العلماء لم يؤخذ رأيهم في القضية، ولقد كان من المضحك المبكي محاولة أحدهم إثبات خطأ هذا القرار بأنَّ فهد بن عبد العزيز لم يتَّخذه، ففي فقه التابعين لآل سعود لا يُستدل على آل سعود إلا بآل سعود.
لقد أكثر أولئك من الخصام وطال نقاشهم، ولم يكن فيهم من يتجرأ فيشكك بنصح ولي أمره للمسلمين أو يصفه بالساعي خلف الغرب أو يعيب عليه سماعه لمشورات الليبراليين أو حتى يعذره بتأثيرهم عليه.
تأملت في كلا الفريقين فلم أجد بينهما كثير فرق، إذ يتفق الجميع على عدم الاعتراض على آل سعود مهما كان الجرم، وإن كان لا بد من الاعتراض فليكن وفق الضوابط السعودية، وذلك بخطابٍ يرفعه إلى ما يسمونه المقام السامي، يبدأ بعبارات الثناء ويُختم بألفاظ الدعاء، ثم وبعد الاتفاق على هذا الأساس يُترك المجال لكلا الفريقين بالكلام داخل الخطوط الحمراء، فلا بأس من الحديث عن خللٍ في شارعٍ أو نفقٍ، أو شيءٍ من النقد لوزيرٍ أو مسؤولٍ غير كبير، ثم يتفق كلا الفريقين على أنه يُغضُّ الطرف عمَّا كان من دينه ولا يوافق هوى آل سعود، فلا الليبراليون يستطيعون الحديث عن الديمقراطية -مثلًا- لأن آل سعود يرونها نهاية استبدادهم الذي ليس له حدود، ولا الإسلاميون يستطيعون الدعوة إلى الجهاد ولا إنكار السياسات الخارجية الموالية لأمريكا ودول الغرب ضد الإسلام والمسلمين، أو إنكار القوانين الوضعية التي بُليت بها بعض الوزارات، أو المجاهرة بإنكار الربا وبيان أنَّ الهيئات التي تحكم في قضاياه محاكم طاغوتية يجب الكفر بها، ولقد كان صمتهم عند دعوة تقارب الأديان أكبر دليلٍ على ذلك، فاتفق الفريقان من إسلاميين وليبراليين على إسلامٍ سعودي يقوم على أساس عدم الاعتراض على زلل الأمراء مهما عظُم، ثم يكون الخلاف فيما سوى ذلك، فيتناقش الفريقان في قيادة المرأة وفي الاختلاط وفي عضويتها لمجلس الشورى ... إلى آخر تلك القضايا التي يسمح بها ولي أمرهم مما لا يمس