فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 254

عرف أبو البراء الحقيقة، وبدأ طريق الجهاد المحفوف بالمكاره، فجاهد بلسانه وقلمه ونفسه وماله، فكم ألقى من خطب وكلمات، ودورات ومناظرات، كان جاهدًا فيها لإيصال الحقيقة إلى الناس، غير مبالٍ بلوم اللائمين، وعذل العاذلين، فقد كان _كما أحسبه_ ممن لا يخاف في الله لومة لائم، فكم لامه القريب والبعيد والقاصي والداني، لكنه لم يبال بأحد في طلب رضا الله، فكم من مرّة خطب الجمعة داعيًا إلى الجهاد في سبيل الله، وقتال حكومة علي عبد الله صالح، وكم مرّة قام بعد الصلاة ليرُدّ على الخطيب كلامه في المجاهدين.

تفرّغ للجهاد والدعوة إليه، فألّف كتابه: (وقفات مع كتاب فتنة التفجيرات والاغتيالات) ، قام بذلك ناشرًا الحق داعيًا إليه، وكان يقول:"إن الردّ على أعداء الجهاد من الجهاد في سبيل الله"، وعزم في آخر حياته على مشروعٍ طويل: أن يحصر الشبهات التي يثيرها أعداء الجهاد فيرد عليها، وينشر الرد بين الناس حتى لا يغتر بها من لا يعلم جوابها، ولكن القدر كان أسبق.

كان _رحمه الله_ يقرر ويؤكد بقوله وعمله؛ أن العلاقة بين العلم والجهاد لا ينبغي أن يكون فيها انفصام، وإنما تقوم على التكامل والتلازم، فالعلم الشرعيّ يدعو إلى الجهاد، والجهاد المشروع لا بدّ له من علم يُسدده ويُقوِّمه، ولا ينبغي عزل العلماء عن ساحات القتال، فليسوا أكرم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غزا وقاتل بنفسه.

لقد أثبت أبو البراء للناس أن دَور طلبة العلم لا يقتصر على إصدار الفتاوى، ولا يليق بهم أن يقتصروا على تحريض الناس على القتال، وإنما الواجب عليهم أن يكونوا في طليعة المقاتلين، وفي مقدمة صفوف المجاهدين، كما كان شيخ الإسلام _رحمه الله_ يقف موقف الموت، وأعظم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد كان يشهد الغزوات، ويقاتل بنفسه، ويقتحم غمار الشدّة، ولقد كان في أصحابه من يكفيه، ولكنّ سُنّته أن يقرن قوله بعمل.

حاكى _عليه رحمة الله_ سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذين حملوا العلم، وزُينت سيرهم بذكر المشاهد التي شهدوها، وتوّج عطاؤهم بالقتل في سبيل الله، كانوا يطلبون القتل في سبيل الله، ويبتغونه مظانّه، فقد كانوا يعتبرونه فخرًا وأجرًا، ويفرُّون من الموت على الفُرُش، غاية مُنى أحدهم أن تخترق الرماحُ جسدَه، أو تمزقه السيوف في سبيل الله، فيلقى قَدَرَه وهو يردد مبتسمًا: (فزتُ وربِّ الكعبة) ، ولربما دعا بعضهم لنفسه أن لا يضمّه قبر، وأن يُحشر من حواصل الطيور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت