فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 254

والسباع.

كان أبو البراء _رحمه الله_ ينأى بعلمه أن يكون مصدر رزق يقتات به، وإنما أكرمَ عِلمه فجعله مصدر خشية الله، ودليلًا في طلب رضاه، وكان ينتقد طلبة العلم الذين اقتاتوا بعلمهم حتى كان ذلك مانعًا من الصدع بالحق، أو من النفير في سبيل الله.

لقد أثبت أبو البراء للناس أن الفضل لمن صدق لا لمن سبق، فقد عرف الجهاد متأخرًا، وعاش مع المجاهدين عامًا وبعض عام، لكنّ بلاءه فيه فاق أقوامًا سبقوه إلى الجهاد بأعوام.

كان صادقًا _نحسبه والله حسيبه_ ونحسبه ممن يصدق فيهم قوله سبحانه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) .

كان أبو البراء يُسخِّر كل ما بوسعه خدمةً للجهاد والمجاهدين، كان ينفق على العمليات من ماله الخاص _كما يعرف ذلك من عاشره_ وكان يخرج للعمليات بسيارته الخاصة، ولقد استدان سيارة لا لحاجته إليها، ولكن لحاجة العمل.

خرج إلى العملية التي قتل فيها بسيارته الخاصة، وقاتل فيها حتى قتل، ونرجو له أن يكون ممن خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء.

قُتِل أبو البراء, ولم يكن قتله خسارة وإنما ربحٌ ومغنم، ولئن حزنّا على فقده فإننا نفرح له، فقد نال ما تمنى، ونرجو أن يكون أمِنَ الفتنة، وحاز رضا الله، ويكفينا رضا أن نراه فارق الدنيا ثابتًا لم يغيّر ولم يبدّل، وإنما انتصر على عدوه، حيث قُتِل على مبدئه الذي أعلنه، فليس في الشهيد خسارة، وإنما الخسارة فيمن ينتكس على عقبيه فيترك طريق الحق، ويضع يده في يد عدوه، معلنًا تراجعه عن الطريق, ناسفًا بيده كل بنيان بناه من جهاد وتضحية.

قُتِل _عليه رحمة الله_ وهو مُقبلٌ إقبالَ من لا يهاب القتل، بل من يتمنّاه كما تمناه سيده وقدوته الأول محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (والذي نفسي بيده لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) . رواه مسلم

كان _رحمه الله_ أمير سريّته عندما اقتحموا على نقطة عسكريّة، فأمرهم أن لا يقتحم أحد قبله، فأقدم إقدام الأبطال، وقُتِل هو ورفيقه طالوت الصنعاني (أسامة أحمد) ليُبيّن للناس أن المجاهدين تجمعهم أخوّة الدين، ولا تفرّقهم الحدود والأقاليم، فهذا ابن صنعاء يقاتل مع ساكن شبوة حكومةَ صنعاء لأنها حاربت الدين ووالت الكافرين، وحقًّا إن أخوّة الدين فوق كل رابطة، وفوق كل أخوّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت