الصفحة 3 من 29

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كله, وكفى بالله شهيدًا, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

أما بعد

فإنَّ أوثق الصّلات البشريّة: صلة الزّوجين أحدهما بالآخر، فهما في القرب كالنّفس للمرء قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (النساء: 1) .

وقال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} (النساء: 72) .

فلا تكاد تجد رباطًا بين اثنين من الناس، كالذي بين الزوجين من المودة والرحمة وعظيم المشاركة وكثرة المخالطة وشدة الملابسة، فبين الزوجين من كمال الامتزاج والقرب ما كنَّى الله عن شدته وعظمته بأن جعل كلَّ واحد من الزوجين لباسًا للآخر [1] ؛ حيث قال تبارك وتعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187) .

فإن كلا من الزوجين ينضم إلى الآخر؛ حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه.

وهذا الاختصاص والتقارب يشمل أوجهًا عديدة من المخالطة والسكن، ثم المعاشرة في الفراش، ثم النسل والذرية التي تنشأ عنهما.

ولشدة قرب كل من الزوجين بالآخر، كان اطِّلاع كلٍّ منهما على شأن الآخر ميسورًا، فيفضي كل واحد منهما إلى صاحبه بالدقيق والجليل غالبًا، لهذا جاء التغليظ في كشف السر الذي بينهما.

(1) تفسير اللباب لابن عادل (1/ 571) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت