فمسؤولية الطبيب وأمثاله أعظم من غيرهم؛ لأنهم يطلعون على أشياء كثيرة، ويفضي المرضى إليهم بخفايا وأمور لا يُطَّلع عليها عادة، فكان ما عليهم من الحفظ أعظم من غيرهم.
وقد أشار إلى هذا المعنى القرار الصادر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن، حيث جاء فيه ما نصه: «يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه» [1] .
الفرع الثاني: منزلة حفظ السر في الطب.
الطب من الوظائف التي يُطَّلع فيها على خفايا المرضى وأسرارهم، لذا كان من آداب المهنة الأصيلة منذ قديم الزمن أن يحفظ الطبيب ما يطلع عليه من خفايا المرضى وأسرارهم التي يعاينها أو يسمعها أو يتبينها بالفحوصات الطبية.
وأقدم ما عرف من التنظيمات المتعلقة بحفظ أسرار المرضى ميثاق الطبيب أبقراط وفيه: أن كل ما يصل إلى بصري أو سمعي وقت قيامي بمهمتي أو في غير وقتها مما يمس علاقتي بالناس، ويتطلب كتمانه فسأكتمه، وسأحتفظ به في نفسي محافظتي على الأسرار المقدسة [2] . وقد ذكر لابن أبي أصيبعة من جملة آداب الأطباء: «الحرص على كتمان أسرار المرضى» [3] .
وقد نصّت مواثيق حقوق الإنسان، على توفير الحماية القانونية ضد كل الخروقات التي تفضي إلى كشف أسرار حياة الإنسان الخاصة به أو بأسرته أو منزله أو مراسلاته.
(1) مجلة المجمع العدد الثامن (3/ 15) .
(2) ينظر: المسؤولية الجزائية للطبيب عن إفشاء السر الطبي ص (11) .
(3) عيون الأنباء في طبقات الأطباء (1/ 35) .