والسر الذي يجب حفظه ولا يجوز إفشاؤه، يشمل كل أمر علمته عن غيرك وعرفت أنه يرغب منك أن تكتمه ولا تظهره، سواء أعرفتَ ذلك بتصريحه أو بقرينة [1] .
ويتأكد الحفظ كلما زاد التمكن من الاطلاع على الخفايا وتعسَّر الاحتراز؛ لذلك جاء الوعيد في كشف الرجل سرَّ امرأته، ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم ينشر سرها» [2] .
ومما يندرج فيما يجب حفظه من الأسرار، ما يطلع عليه الإنسان من خفايا الناس بمقتضى وظيفته وطبيعة عمله، وقد نص على ذلك الفقهاء في مهنة الطب على وجه الخصوص، فقال ابن مفلح في حديثه عما يجب على غاسل الموتى: «كما يحرم تحدُّثه، وتحدّث طبيب، وغيرهما بعيب» [3] .
وقال الحجاوي: «يجب على الطبيب أن لا يحدث بشر [4] لما فيه من الإفضاح» [5] .
وقال الرحيباني: «كطبيب في ستر عيب رآه بجسد مطبوب، فيجب عليه ستره، فلا يحدث به؛ لأنه يؤذيه، ومثله الجرائحي» [6] .
وقال ابن القيم: «فالمفتي والمعبر والطبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم؛ فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره» [7] .
(1) ينظر: غذاء الألباب (1/ 116) .
(2) كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة، رقم (2597) ، وقد تقدم.
(3) الفروع (2/ 217) .
(4) هكذا في الأصل، والصحيح «بشرًا» .
(5) كشاف القناع (4/ 326) .
(6) مطالب أولي النهى (4/ 328) .
(7) إعلام الموقعين (4/ 257) .