وقد امتدح الذين هم لأمانتهم راعون، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8) . وهذا يشمل كل ما يجب حفظه من الأشياء ورعايته، ومن ذلك أسرار الناس وما يسترونه ويكرهون ظهوره، فإنه يجب صيانتها وحفظها وكتمانها [1] .
ويشهد لذلك ما رواه جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا حدَّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» [2] ، «قال ابن رسلان: لأن التفاته إعلام لمن يحدثه، أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد، وأنه قد خصه سره» [3] .
والأسرار مما يدخل في الأمانات التي نهى الله عن خيانتها [4] ، فتندرج في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27) .
وقد عاب الله على بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إفشاءها سر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وذلك من أسباب نزول قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم: 4) ، كما قال بعض أهل العلم [5] .
والأدلة متضافرة على وجوب حفظ السر.
وعلى هذا المعنى تواردت كلمات أهل العلم في التأكيد على حرمة إفشاء السر ووجوب كتمانه [6] .
وقد خصَّ بعض الفقهاء تحريم إفشاء السر، بما إذا كان فيه مضرة على صاحب السر [7] .
(1) تفسير المراغي (5/ 70) ، تفسير المنار (5/ 143) .
(2) رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء أن المجالس أمانة، رقم (1959) ، وأبو داود، كتاب الطب، باب في نقل الحديث، رقم (4868) . قال عنه الترمذي: حديث حسن.
(3) عون المعبود (3/ 179) .
(4) ينظر: تفسير المنار (9/ 535) .
(5) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (7/ 405) ، المحرر في أسباب النزول، د. المزيني (2/ 1033) .
(6) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 61) ، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (5/ 14) ، إحياء علوم الدين (3/ 132) ، طرح التثريب في شرح التقريب (7/ 264) ، مطالب أولي النهى (15/ 401) .
(7) ينظر: الإنصاف (8/ 266) .