والذي يتصل بموضوع البحث هو ما يتعلق بجلب المصلحة للفرد ودرئها عنه، ومعلوم أن تقدير ذلك من مواطن الاجتهاد التي قد تختلف فيها الآراء كسائر مواضع تقدير المصالح والمفاسد، فإن «أكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها وتحديدها، وإنما تعرف تقريبًا لعزة الوقوف على تحديدها» [1] .
وليعلم أن الأصل في «اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوصُ من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام» [2] ، وتيسيرًا لإدراك الحالات التي يؤذن فيها للطبيب بإفشاء سر المريض لجلب مصلحة أو درء مفسدة؛ سأذكر الضوابط التالية:
أولًا: كل مرض يُثبت حق الفرقة لأحد الزوجين، فإنه يجب الإخبار بنتائج فحوصه.
هذا الضابط متصل بما يعرف عند الفقهاء بمسألة التفريق بين الزوجين بسبب العيب.
وقد تكلم الفقهاء على ذلك من حيث أصل المسألة، وهي: هل يثبت حق الفرقة لأجل العيب بالمرض الطارئ [3] ؟.
وقد اختلفوا في ذلك على أقوال أقربها ثبوت حق الفرقة للزوجين بالعيب إذا طرأ؛ لأن ما أثبت حق الفرقة مقارنًا فإنه يثبته طارئًا، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية [4] ، والشافعية [5] ، الحنابلة [6] على تفصيل بينهم.
كما اختلفوا أيضا في العيب الذي يثبت به ذلك الحق، إلا أنهم متفقون على أن ما كان فيه ضرر من الأمراض على الطرف الآخر، مما لا يرجى برؤه فإنه يثبت
(1) القواعد الصغرى ص (100) .
(2) مجموع الفتاوى (28/ 129) .
(3) المغني (7/ 142) .
(4) التاج والإكليل (5/ 148) ، منح الجليل (3/ 385) .
(5) ينظر: تحفة المحتاج (7/ 349) ، أسنى المطالب (3/ 177 - 178) .
(6) ينظر: دقائق أولي النهى (2/ 678) ، كشاف القناع (5/ 111) .