المصنف لذلك لم يذكر العام والمطلق فتأمله، وانظر الفرق الثلاثين والمائة وكذلك التاسع والعشرين قبل المائة فإنه تكلم على المسألة فيهما. انتهى ما كتب شيخنا أبو زيد المذكور رحمه الله مما له تعلق بالأبيات.
والحاصل أن غير القرافي وهم جمهور الفقهاء الذين يقولون لا يحنث إلا بما نوى سواء تعرض لإخراج غيره أو غفل عنه يفسرون المنافاة بمطلق المخالفة؛ وهي أن الدليل اللفظي يقتضي ثبوت الحكم لكل صورة مما شمله اللفظ؛ والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم عن بعض الصورة؛ فهذه هي المخالفة؛ لأن النية المخرجة لبعض الأفراد مخالفة لمقتضى اللفظ، وأما القرافي الذي يشترط في عدم الحنث أن يخرج غير ما نوى فالمنافاة عنده حقيقية؛ وبيان المنافاة الحقيقية من غيرها ما أشار إليه شيخنا أبو زيد المذكور أول كلامه المنقول عنه آنفا أن أهل الأصول اجتمعوا أنه لا يخصص كلام آخر إلا إن نافاه؛ فقول القائل لا آكل بيضا وقال نويت بيض الدجاج أو لا آكل سمنا وقال نويت سمن الضأن لا منافاة حقيقية بين لفظه ونيته؛ لأن بيض الدجاج داخل في قوله لا آكل بيضا وسمن الضأن داخل في لا آكل سمنا؛ فالنية إنما هي مؤكدة لبعض ما شمله لفظ البيض ولفظ السمن وليست منافية؛ فلا تخصيص إذ من شرطه وجود المنافاة ولا منافاة؛ فلذلك يحنث ببيض الدجاج وغيره وسمن الضأن وغيره فيحنث ببيض الدجاج وسمن الضأن بلفظه ونيته معا ويحنث ببيض غير الدجاج وسمن غير الضأن بلفظه الشامل لكل بيض ولكل سمن؛ هذا مذهب القرافي القائل باشتراط المنافاة الحقيقية؛ وذلك كما إذا قال نويت لا آكل بيض الدجاج وآكل بيض النعام مثلا ولا آكل سمن الضأن وآكل سمن البقر حيث تعرض لإخراج ما لم ينو فالمنافاة حينئذ حقيقية؛ لأن نية وآكل سمن البقر مناف للا آكل سمنا وكذلك نية وآكل بيض النعام منافية للا آكل بيضا؛ فصح التخصيص لوجود شرطه وهو المنافاة؛ فلم يحنثه إلا بما نوى؛ وهذا ظاهر قول خليل نافت؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته وتقدم كلام شيخنا، أما نقل ابن الشاط الرد على القرافي ومذهب جمهور الفقهاء أن الحالف على الوجه المذكور لا يحنث إلا بما نوى ولا يحنث بغيره؛ وعليه فيفسر المنافاة في كلام الشيخ خليل وغيره ممن اشترط في التخصيص المنافاة مع كونه لا يحنثه إلا بما نوى بمطلق المنافاة وهو إخراج بعض أفراد العام لأنه مخالف لمقتضى اللفظ؛ وبهذا جزم الشيخ خليل حيث لم يحنث إلا بما نوى في قوله كسمن ضأن في لا آكل سمنا وفي لا أكلمه ونوى شهرا مع اشتراطه في النية المخصصة أن تكون منافية.