الصفحة 176 من 267

واحد منهما قوي من أوجه؛ أما رواية ابن القاسم عن مالك فهي مشهور المذهب لأن القول المشهور في معنى قول العلماء القول المشهور هو ما روى ابن القاسم عن مالك لطول صحبته له وتأخر زمانهما عن صحبة غيره؛ فتقدر روايته كأنها ناسخة لما روى غيره عن مالك من الأقوال؛ إذ المتأخر ناسخ للمتقدم، وأما رواية علي بن زياد عن مالك فهي قوية من طريق النظر؛ لأنها مبنية على الأصل في الضمان وذلك الأصل مستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بخلاف الأصل الأخير وهو النظر إلى الشبهة فإنها مستندة للاستحسان؛ وقد قال القاضي أبو الوليد بن رشد رواية علي بن زياد هي القياس والله أعلم، فيجوز للقاضي الذي وقعت هذه النازلة في علمه أن يحكم فيها برواية ابن القاسم؛ فيقضي على من استحق الحبس من يده أن لا يؤدي الغلة لمن استحق الحبس، ويجوز له أن يحكم بأداء الغلة لوجود أخرى وهو أنه قد تقرر في الفقه من وضع يده على غلة وفائدة وجب عليه غرمها اتفاقا، وإنما الخلاف في وضع اليد على الرقاب هل تغرم الغلات والفوائد أم لا؟ وهذه النازلة الأشبه فيها أن المستحق من يده إنما أخذ غلة الأملاك المحبسة وفائدتها لا رقابها؛ لأن رقابها لا يملكها أحد من المحبس عليهم لانتقالها من بعضهم إلى بعض اهـ لفظه. وإنما أثبته بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد.

وقوله يد بشبهة فاعل بفعل محذوف؛ أي أو كانت له يد بشبهة، ومعنى لهم ما أوجبوا أي لا يردون غلة؛ وعكس حالهم من لا ضمان عليه ولا له يد بشبهة؛ والدليلان المقتضيان الغرم والخراج هما عدم الضمان وعدم الشبهة؛ وذلك كمن غصب دارا ليسكنها لا بغصب تملك رقبة فانهدمت لم يضمن، ابن الحاجب أول باب الغصب ولفظه: فلو غصب السكنى فانهدمت الدار لم يضمن إلا قيمة السكنى اهـ فهذا لا ضمان عليه ولا شبهة له فيرد الغلة اتفاقا؛ وهو عكس المشتري لشيء ثم يستحق من يده فإن الضمان منه ويده بشبهة فلا يردها اتفاقا؛ وهذان أعني الضمان والشبهة هما الدليلان المقتضيان لعدم غرم الخراج؛ وعلى تمثيل القسمين نبه بقوله:

كمشتر ثم استحق من يده * وعكسه غاصب سكنى فاقتده

والذي تعارض فيه الأصلان كالغاصب فإنه ضامن ولا شبهة له؛ وكمن استغل حبسا باعتقاده أنه من أهله فكشف الغيب أنه ليس من أهله كالمسألة المسؤول عنها فإنه غير ضامن وله شبهة؛ وهذان هما محل الخلاف في رد الغلة وعدم ردها؛ وعلى ذلك نبه بقوله كغاصب ومن بوقف انتفع. . .البيت، وقوله لابن جزي ذا وقع كمل به البيت وأفاد به نسبة المسألة لقائلها والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت