ومن خلال هذه الأمثلة تحدد دور السياق، وتحويله لدلالة اللفظ الأصلية لا إلى دلالة ثانوية، تحددها مقصدية المتكلم وما يريده من خطابه، قال الشاطبي في ذلك:"والقاعدة في الأصول العربية؛ أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للإستعمالي". [1]
ولاشك أنه يقصد بالحكم الاستعمالي دلالة الألفاظ والتراكيب، من خلال السياق، إلا على ما تدل عليه أصلا، ومثل لذلك بقوله:"كما تقول: فلان يملك المشرق والمغرب والمراد جميع الأرض ...". [2]
وهذا الفهم احتج به ابن الزبعرى على- النبي صلى الله عليه وسلم-. قال الشاطبي:"فقد أجاب بعض الناس عن اعتراض ابن الزبعري فيها بجهله بموقعها، وصاروا في الموضع أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال له:"ما أجهلك بلغة قومك يا غلام؟ لأنه جاء في الآية: إنكم وما تعبدون"و"ما"لما لا يعقل، فكيف تشمل الملائكة والمسيح، والذي على أصل مسألتنا أن الخطاب ظاهره أنه لكفار قريش ولم يكونوا يعبدون الملائكة ولا المسيح، وإنما كانوا يعبدون الأصنام التي كانوا يعبدون فلم يدخل في العموم الاستعمالي غير ذلك، فكان اعتراض المعترض جهلا منه بالسياق، وغفلة مما قصد في الآيات وما روي من قوله: ما أجهلك بلغة قومك يا غلام؟ دليل على عدم تمكنه من فهم المقاصد العربية وإن كان من العرب، لحداثته وغلبة الهوى عليه في الاعتراض أن يتأمل مساق الكلام حتى يهتدي للمعنى المراد، ونزل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [3] بيانا لجهله". [4]
(1) - المصدر نفسه، ج 3/ 239.
(2) -المصدر نفسه، ج 3/ 238.
(3) - الأنبياء: 101.
(4) - الموافقات، الشاطبي، ج 3/ 248.