ونبتت بينهم نابتة علم الكلام الذي من أظهر سماته علم التأويل، ولكي نثبت ما صدر من حكم على تلك العلاقة بين الكلام والتأويل نسوق مناظرة وقعت بين واصل بن عطاء وعمر بن عبيد، قال واصل:"لم قلتم من أتى كبيرة من أهل القبلة استحق اسم النفاق؟ لقد وطنت دلالة التناص عن طريق التناص القرآني في الاستدلال بها على بعض المصطلحات العقائدية وتثبيت وجهات النظر التي لها علاقة بالعقيدة، وعن ذلك -مثلا- تلك المناظرة التي وقعت بين واصل ابن عطاء وعمر بن عبيد ... فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . [1] فكان كل فاسق منافقا، إذا كانت ألف المعرفة ولامها موجودتين في الفاسق قال واصل: أليس وجدت الله تعالى يقول: { ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . [2] "
وأجمع أهل العلم على أن صاحب الكبيرة من أهل القبلة استحق اسم ظالم، كما استحق اسم فاسق أفلا كفرتم صاحب الكبيرة من أهل القبلة بقوله تعالى: { ... وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [3] ، فعرف بألف ولام التعريف في قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ... الآية [4] كما قال في القاذف { ... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [5] فسميته منافقا لقوله تعالى: { ... إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [6] ثم قال:"يا أبا عثمان أيهما أولى أن نستعمل في المحدثين من أمتنا ما اتفق عليه أهل الفرق من أهل القبلة. أم ما اختلفوا فيه؟ فقال عمرو:"بل ما اتفقوا عليه أولى، فقال واصل:"ألست تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمون صاحب الكبيرة فاسقا والحسن يسميه منافقا فاسقا والمرجئة تسمية مؤمنا فاسقا،"
(1) - النور: 04.
(2) - المائدة:.45
(3) - البقرة:254.
(4) - المائدة:45.
(5) - آل عمران:.82
(6) -التوبة: 67.