اعتبرت ظاهرة التقييدعند الأشاعرة وغيرهم، وسيلة لحل كثير من الإشكالات الدلالية التي تطرحها بعض النصوص من القرآن الكريم، ولولاها لوقع المفسر أوالمؤول في حرج وحيرة قد لايجد لها منفذا سواء كانت آلية التقييد نص مثله أوبالقرينة العقلية أو الشرعية أو اللغوية، وعلى سبيل المثال قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ... الآية} ؛ [1] "فإنه لو قيل نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا ولا يحصل له منها شيء".
قلنا: قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ... الآية} ، [2] فعلق مايريد بالمشيئة بالإرادة. [3]
وعلق نصر حامد أبو زيد على تقييد الواقع لدلالة النصوص، بقوله:"وإذا كان المسلمون جميعا على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية قد أجمعوا على أن قدرة قاهرة غالبة لاينقص منها شيء، فإن معنى ذلك أن كل شيء يقع في العالم إنما يقع بمشيئة الله، وذلك باستثناء الفعل الإنساني الذي اختلفوا حوله اختلافا معروفا شائعا. وعلى ذلك فقد اعتبر العلماء هذه المشيئة الإلهية (نصا) يقيد كل ماورد في القرآن من الوعود المطلقة التي لاتتحقق عادة مع توفر شروطها ...". [4]
قال الكلبي:"نوته منها"أي نؤته منها ما قدر له لأن كل أحد لابد أن يصل ما قسم له" [5] . وقال الزمخشري:"ومن كان عمله للدنيا أعطى شيئا منها لا ما يريده ويبتغيه وهو رزقه الذي قسم وفرغ منه". [6] "
ونرى كلا من الكلبي والزمخشري فسر الآية على أساس التقييد متأثرا كل منهما بالعقيدة الإسلامية التي تقرر أن كل إنسان لا يأخذ من الدنيا إلا ما كتب له في الأزل. وهذا المعنى مستقى من نصوص أخرى من الكتاب والسنة. وبالإضافة
(1) -الشورى: 20.
(2) -الإسراء: 18.
(3) -البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ج 2/ 16.
(4) - مفهوم النص، دراسة في علوم القران،.نصر الحامد ابو زيد، ص: 215.
(5) -كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي، ج 4/ 19.
(6) -الكشاف، الزمخشري، ج 3/ 466.