الصفحة 56 من 102

وإذا كان هذا التصور (العلمي) عن المستقبل يبدو (خرافة) فإن ذلك التصور عن التاريخ لا يقل عنه إمعانًا في الجهالة (العلمية) بحقيقة النفس البشرية، وطبيعتها، وتاريخها على السواء.

حين يكون هذا الجهل العميق، وهذه الخرافة الطاغية، هما أساس التصور الماركسي، فإننا لا ننتظر أبدًا أن يقوم على أساسه واقع عملي في الحياة التي يزاولها البشر، إلا أن يكون فيه من الاعتساف قدر ما في هذا التصور من رغبة جامحة في مجانية حقائق الفطرة، التي تصطدم اصطدامًا عنيفًا بذلك التصور.

ومن ثم اضطرت الماركسية-عند التطبيق العملي- أن تتخلى عن أهم مقدساتها الماركسية! وعللت هذا التخلي الذي يكاد يكون كاملًا، بأن الماركسية مذهب متطور، على حين أن ليس هنالك مذهب يحتشد (بالحتميات) احتشاد النظرية الماركسية!

لقد تحطمت النظرية (العلمية) الماركسية تحت مطارق الفطرة في معظم أجزائها الرئيسية. ولم يبق إلا (الدولة) وإلا الأنظمة الديكتاتورية البوليسية، التي تعرفها روسيا جيدًا في أيام القيصرية!

ووفق النظرية (المحطمة) فإن (الدولة) كان ينبغي أن تكون الآن-وبعد حوالي نصف قرن- في طريقها إلى الذبول والزوال .. ولكن الذي يعلمه كل أحد أن الدولة هناك، تتضخم يومًا بعد يوم، وتبتلع كل شيء - بما في ذلك الشعب نفسه!

ولعله من المفارقات الطريفة أن الماركسية التي تفترض إمكان قيام المجتمع بدون حكومة في نهاية المطاف، هي التي تنتهي فيها الحكومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت