(إن عيسى ابن مريم عندما ينزل يحكم بمذهب أبي حنيفة) وهذا غلو شديد وتعصب مهلك ومما ينسب أيضا إلى بعض المتعصبين من الحنفية: (كل آية أو حديث تخالف المذهب فهي مؤولة أو منسوخة) .
وهذا تعصب ينبئ عن قلة دين وغلبة هوى. وحكايته تغني عن رده، وأقوال المتعصبة في مثل ذلك كثير، فيكاد يصبح التقيد بقول النبي صلى الله عليه وسلم، وكم جر هذا التعصب من فتن بين المسلمين وتفريق لكلمتهم وزعزعة في صفوفهم وإثارة للضغائن بينهم، مع صرف الولاء والبراء لهذه المذاهب، فكل متمذهب بمذهب ما يعادي صاحب المذهب الآخر [1] مع أن أئمتهم لا يرضون بذلك بل ينهون عنه أشد النهي وينعون أهله، ورحم الله ابن أبي العز حيث يقول: (فمن تعصب لواحد معين غير النبي صلى الله عليه وسلم، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، ورأى أن قول هذا هو الصواب الذي ينبغي اتباعه، دون قول الأئمة الباقين فهو جاهل ضال، وإن اعتقد أنه يجب على الناس اتباعه دون غيره من هؤلاء الأئمة فإنه يخشى عليه) .
3 -وأما الإمام الشافعي رحمه الله فقد اشتهر قوله في وجوب الأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه. فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي) [2] .
(1) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: (1/ 209) في الكلام على أصبهان: (وقد فشا الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، ولا يأخذهم في ذلك إلَ ولا ذمة، ومع ذلك فقلَ أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها ... )
(2) وقال رحمه الله: (كل ماقلت: وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ولا تقلدوني) رواه ابن أبي حاتم في: (آداب الشافعي: ص 67) وانظر الحلية لأبي نعيم: (9/ 106 - 107) والفقيه والمتفقه للخطيب: (1/ 150)