فصل
وبما تقدم ذكره من وجوب الأخذ بالكتاب والسنة ومن ذم التقليد والتعصي لآراء الرجال. لا يظن بنا ظان أننا نبطل النظر في كتب الأئمة الأربعة أو غيرهم من الأئمة أو نهدر حقوقهم ونهظمهم حقهم فإن هذا لا نقول به ولا نرتضيه وإنما نطالب بتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم لأن ذلك شرط من شروط لا إله إلا الله.
فلا يستقيم إسلام المرء حتى يجرد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منك فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا.
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما وصوا به لا من خالفهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، بين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه [1] ، فالأول يأخذ قوله من
(1) قال ابن أبي العز -رحمه الله- في رسالته"الاتباع"ص 43: (ومن ظن أنه يعرف الأحكام من الكتاب والسنة بدون معرفة ما قاله هؤلاء الأئمة وأمثالهم فهو غالط مخطيء) أقول: أقوال الرجال يستضاء بها في فهم الكتاب والسنة فإذا خالفت شيئا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ردت على قائلها فأقوالهم يحتج لها ولا يحتج بها كما ذكر ذلك غير واحد من المحققين.