وهذا المعنى كان مستقرًا استقرارًا تلقائيًا في نفوس رجال الصدر الأول - رضوان الله عليهم - ومن ثم أمكنهم أن يغيروا واقع الحياة في فترة تشبه الأحلام.
روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
والرجل يقول:"حتى يعرف معانيهن"والمعرفة شيء غير مجرد الفهم .. المعرفة إدراك كامل، وانفعال بهذا الإدراك يتم في أعماق النفس وأغوار الضمير .. ثم"العمل بهن".
بهذا الإدراك الكامل لوظيفة القرآن أمكن إنشاء حياة جديدة كاملة لم يعرفها العرب قبل الإسلام، وبمثل هذا الإدراك الكامل يمكن أن يحقق الإسلام ذاته في عالم النفس وفي عالم الواقع في كل زمان ومكان.
وحين يتم التكيف الشعوري في النفس البشرية بالتصور الإسلامي الإبداعي للحياة، فإن أثر هذا التكيف يبدو في كل ما يصدر عن هذه النفس، لا على وجه الإلزام والإرغام، ولكن على وجه التعبير الذاتي عن حقيقة هذه النفس، يستوي في هذا التعبير أن يكون صلاة في المحارب أو سلوكًا مع الناس، أو عملًا فنيًا وجهته تصور الجمال وتصور الحياة بما فيها من القبح والجمال.
وحينما أقول أن الأدب الإسلامي أدب موجه، وأن له منهجًا يلتزمه، فلا أعني بذلك التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ، إنما أعني أن تكيف النفس البشرية بالتصور الإسلامي للحياة هو وحده سيلهمها صورًا