ولكن أجيالًا متطاولة مضت قبل أن تتم العزلة في صورتها العنيفة التي تقوم اليوم في قلوب المسلمين.
كان الحكم في البلاد الإسلامية - رغم بعده التدريجي عن روح الإسلام - يقوم باسم الإسلام!
وكان المجتمع إسلاميًا رغم فساد الحكام!
نعم. لقد ظل المجتمع في الريف والمدن البعيدة عن العواصم إسلاميًا قرابة ألف سنة، لا يتأثر بفساد الحكم، ولا تصل إليه العدوى من العاصمة المنحلة التي فيها القصور الماجنة، وصور الحياة الدنسة.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يُحكِم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت"البيئة الزراعية"المماثلة في أوربا تقوم على علاقة السادة والعبيد: سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل.
في تلك الأثناء كانت بقية من صورته - صلى الله عليه وسلم - لم تنعزل بعد في وجدان المسلمين. ورغم أن المذاهب"الصوفية"كانت نشيطة في المجتمع الإسلامي كله في ذلك الوقت، والصوفية تجنح إلى العزلة عن الحياة والبعد عن مجالدتها، إلا أن هذه المذاهب قد أدت دورًا تاريخيًا في منع المجتمع الإسلامي من