الصفحة 14 من 219

وعلى عهد الشيخين كانت الحياة كلها محكومة بتعاليم الإسلام وروحه، وكان الشيخان على قمة البشرية بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -، يتطلع الناس إليهما في تصرفاتهما، وسلوكهما، ومشاعرهما، وأفكارهما فيدركون القبس الخالد الذي يقبسان منه، ويرون الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأي الواقع في قلبيهما الكبيرين، فيعيشون في ظلهما مع الرسول فوق ما يعيشون معه في ذكرياتهم الخاصة، ووجداناتهم التي كانت بدورها قد شحنت بتلك القبسات المشرقة من قبسات الرسول.

وجاء عثمان رضي الله عنه فسار في أول عهده على هدي الشيخين ما استطاع، ولكن رويدًا رويدًا أخذ نفوذ مروان بن الحكم ومنهجه يغلبان على الحكم، وعثمان رضي الله عنه تثقله السن. وبدأ المسلمون يحسون بافتراق الطريق. وبدأت الصورة المتكاملة للرسول - صلى الله عليه وسلم - تنحسر شيئًا فشيئًا إلى داخل النفوس، بعد أن كانت ملء النفوس وملء الحياة معًا وعلى نسق واحد.

وكلما انفرجت الشقة بين الواقع المشهود وبين تعاليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهاته، زادت صورته انحسارًا في نفوس المسلمين، حتى ينتهي الأمر إلى أن تصبح"مثالًا"متألقًا في أعماق الوجدان، لا صورة حية في العيان، مثالًا منعزلًا عن واقع الحياة، لا يحكمها ولا يرسم منهجها، ولا يتجه الشعور إليه لتسيير دفتها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت