الصفحة 187 من 219

وقد يتبجح كاتب أو صاحب صحيفة يبرر الجريمة لنفسه، أو يبررها للناس .. يقول: ماذا أصنع؟ لقد تسمم الجو كله وصار القراء لا يقبلون على الأدب"الأبيض"والكلام النظيف. لقد تعودوا على الصحف العارية والقصص العارية، والأفكار العارية. ولم يعد يؤثر فيهم غير هذا اللون من الإنتاج. هب أنني أصدرت صحيفة نظيفة فكيف تعيش؟ من يقرؤها؟ كيف تغطى نفقاتها؟ ألا يكون ذلك انتحارًا؟ أو غفلة؟ أو جنونًا لا يقدم عليه عاقل؟ وماذا يصنع كاتب واحد أو صحيفة واحدة في التيار المسموم؟ هل يصنع إلا أن يفشل ويثير بفشله شماتة الشامتين؟!

وقد يكون هذا حقًا!

ولكنه لم يكن كذلك حين خرج أول كاتب يدعو إلى الفاحشة وتركه الناس. يوم هزوا أكتافهم وقالوا: هل نحن به مكلفون؟

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد .. يوم يصبح الكاتب النظيف لا يجد الجمهور الذي يقرؤه أو الصحيفة التي تنشر له .. يوم لا تستطيع الصحيفة النظيفة أن تعيش .. يومئذ تكون السفينة قد أثقلت بما فيها من الماء، واضطربت مما فيها من الخروق .. وتتحقق سنة الله في الأرض، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

ويقوم والد ضعيف الشخصية تحكمه امرأته، أو يحكمه الترف والاسترخاء .. يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، يقول: هم أولادي وأنا حر فيهم! أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس .. يتركونه تملقًا، أو يتركونه استخفافًا، يقولون: هو في النهاية الخاسر، وما لنا عليه من سبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت