الصفحة 98 من 171

والله الذي خلق هذا الوجود وخلق الإنسان، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني. . هو - سبحانه - الذي سن للإنسان"شريعة"لتنظيم حياته الإرادية تنظيمًا متناسقًا مع حياته الطبيعية. فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان، وفطرة الوجود العام، وينسقها كلها جملة واحدة.

وما من كلمة من كلمات الله، ولا أمر ولا نهي، ولا وعد ولا وعيد، ولا تشريع ولا توجيه. . . إلا هي شطر من الناموس العام. وصادقة في ذاتها صدق القوانين التي نسميها القوانين الطبيعية - أي القوانين الإلهية الكونية - التي نراها تتحقق في كل لحظة، بحكم ما في طبيعتها من حق أزلي أودعه الله فيها، وهي تتحقق بقدر الله.

و"الشريعة"التي سنّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية. بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام، ومتناسقة معه. . ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين الحياة والإنسان، وحركة الكون الذي يعيش فيه. . بل من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة. وضرورة الالتئام بين الشخصية المضمرة والشخصية الظاهرة للإنسان. .

ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظامًا يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة. إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر، ومدبر أمره وأمرهم، وفق الناموس الواحد الذي أختاره وارتضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت