فهرس الكتاب
يا نفسُ إني قائلٌ فاستمعي ... مقالةً من مرشدٍ ناصح
ما صاحبَ الإنسان في قبره ... غيرُ التقى والعمل الصالح
وفي القرآن الكريم أدلَّةٌ كثيرة على حرية التصرف، ونسبة العمل من خير أو شر إلى العبد نفسه، مختارًا دون إكراه:
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]
قال تعالى:
{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19]
{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} [النبأ: 39]
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37]
{كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [المدثر: 54 - 55]
{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} [النحل: 30]
وفي الفاتحة:
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]
ولم يقل: - ولا المضلَّلين - فهم قد ضلُّوا مختارين، ولذا جاءتْ بصيغة اسم الفاعل لا المفعول.
ويظهرُ لك ذلك جليًّا في موقف المشركين واعتذارهم يوم الدِّين، حين يُظهر الحق، ويعلن، وتلزمهم الحجة فيندمون حيث لا ينفع الندم، ويتمنون العودة إلى الدنيا من جديد ليصلحوا حالهم، ويستدركوا أمرهم، ولكنهم لا يُجابون؛ لأنهم كاذبون، مصرُّون على الضلال والكفر باختيارهم، ولو ردّوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهُوا عنه من كفر وضلال، ففي سورة الأنعام [27 و 28] :
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
وفي سورة المؤمنون [99 - 100] :
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
ويستعتبون بعد أن ينفخ في الصور ويدخلوا جهنم:
{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [105]
فيعترفون بضلالهم، وأنهم ضلّوا باختيارهم:
{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [106]
ويطلبون الرحمة، وأن يعطوا فرصة أخرى لعلهم يهتدون:
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [107]
فيقرّعون، ويذكّرون باستهزائهم بأهل الحق في الدنيا، والضحك منهم، والإساءة إليهم بإصرار وعناد:
{قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 108 - 110]
فالعقابُ عادلٌ، جاء جزاءً وفاقًا لما جنتْ أيديهم، واقترفوا من إثم.
ولعل هذه العدالة الإلهية الكاملة تتضحُ لنا في سورة العنكبوت الآية [40] حيث ذكرَ اللهُ تعالى أنواعَ العقاب في الدنيا قبل الآخرة لمن ظلم وكفر، مبيِّنًا أنَّ ذلك العقابَ إنما نزلَ بهم لظلمهم:
{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا}
-أي: كقوم لوط:
{وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ}
-أي: كأهل مدين:
{وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ}
-أي: كقارون وأمثاله:
{وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا}
-أي: كقوم نوح الكافرين وفرعون وأعوانه:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}