الصفحة 20 من 33

وآيات سورة سبأ [15 - 17] تدعم هذا المعنى بوضوح:

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}

فالعقابُ الذي نزل بهم هو عقابٌ عادلٌ بسبب كفرهم بأنهم الله، وإعراضهم عن أوامره.

وفي سورة النبأ الآيات [21 - 30] :

{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}

وجملتا:

{إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابا}

جملتان تعليليتان، تبينان سببَ ما نزلَ بأهل جهنم من عقاب، وما قُدِّم لهم من شراب.

أَمَّا حديث: «إِنَّ أحدكم ليجمعُ خَلْقُهُ في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسلُ إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات: أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أو سعيد» [1] .

فالذي يتضحُ لي أن الرواية الرَّاجحة قالت: «ويُؤمر بأربع كلمات» ولم تقلْ: ويكتب، مما يدلُّ على أنَّ الملك ينفخُ الروح، ويرافق الإنسانَ ليكتب تلك الأربع بعد وقوعها لا قبله، كما يظن الكثيرون.

ذلك أنَّ الأوامرَ والنَّواهي في القرآن الكريم، والسُّنَّة الشريفة، لن يكون منها أيَّة فائدة إذا كانت تلك الأربع مفروضة قسرًا وجبرًا على الإنسان - باستثناء الأجل - ولو كان الأمرُ كذلك لاحتجَّ الكسولُ لكسله، والمتخاذل لتخاذله، والظالم لظلمه، والمفسد لفساده؛ بالقضاء والقدر. ولأُهملت الفروض والواجبات، وانتشرت المفاسدُ والموبقات بحجّة أَن الإنسان ريشةٌ في مهبِّ الرياح، قد فُرِض عليه قولُه وعملُه من الأزل، ولا يملك له تغييرًا.

والأدلة القرآنية، والأحاديث الصحيحة، تدعمُ وتؤيد أَنَّ ذلك يُكتب على الإِنسان بعد أن يفعله لا

(1) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت