فهرس الكتاب
قَالَ أَبُو اَلْعَبَّاسِ: نَفَى اَللَّهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ , فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ , أَوْ يَكُونَ عَوْنًا لِلَّهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلا اَلشَّفَاعَةُ , فَبَيَّنَ أَنَّهَا
يعتبر كلام أبو العباس ابن تيمية كالتفسير للآية.
قال في تفسير العزيز الحميد: وقد ساق المصنف رحمه الله كلام شيخ الإسلام هنا فقام مقام الشرح , والتفسير لما في هذا الباب من الآيات، وهو كافٍ بتحقيق مع الإيجاز.
وقال في تيسير العزيز الحميد أيضاٌ: قوله - أي ابن تيمية - (وحقيقته) أي: حقيقة الأمر، أي: أمر الشفاعة , أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود. فهذا هو حقيقة الشفاعة، لا كما يظن المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة , وينجيه من النار. ولهذا يسألونها من الأموات , وغيرهم إذا زاروهم , وذلك أنهم قالوا: إن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية , والماء , ونحوه على الجسم المقابل له، قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله , وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به، وشفاعته له.
قال ابن القيم: وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا , والفارابي , وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. وبهذا السر عُبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور أعياد، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد الرسول - إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده , وكان - في شق , وهؤلاء في شق. وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها , وتشفع لهم عند الله. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك السلطان من الإنعام , والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام , وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله , وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم، وأموالهم، وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله , وإبطال مذهبهم أ. هـ