فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 254

وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: التحقيق في هذه المسألة - يعني تكفير الساحر - هو التفصيل , فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله , كالكواكب , والجن , وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر , فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة , فإنه كفر بلا نزاع ... وإن كان السحر لا يقتضي الكفر , كالاستعانة بخواص بعض الأشياء , من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة , ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء أ. هـ

والخلاصة أن السحر كفر مطلقًا , وأما الشعوذة , والتمويه باستخدام المواد الكيميائية , والأدخنة , ونحو ذلك , فلا يصل إلى الكفر , ولكنه محرم , وهذا النوع يسميه بعض العلماء سحرًا , ولذا جرى الخلاف حسب التقسيم السابق.

رابعًا: حقيقة السحر:

الذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر له حقيقة , لأنه يُتعلم , ولأن الله ذكر أنه يفرق بين المرء وزوجه , ولأن النبي - سُحر , وفك سحره , وخالف المعتزلة في ذلك وقالوا: السحر كله تخييل , لا حقيقة له.

وأهل السنة يقولون: السحر منه حقيقة , ومنه تخييل [1] .

والفرق بين السحر الحقيقي , والتخييلي: أن الحقيقي له تأثير محسوس على عقل الإنسان , أو قلبه , أو بدنه مثلًا , بخلاف التخييلي فلا يؤثر في الإنسان ذلك , وإنما تأثيره وهمي على نظر العين , بحيث يرى الشيء على خلاف ما هو.

(1) قال ابن حجر في فتح الباري: واختلف في السحر فقيل: هو تخييل , ولا حقيقة له , وهذا اختيار أبي جعفر الاستراباذي من الشافعية , وأبي بكر الرازي من الحنفية , وابن حزم الظاهري , وطائفة.

قال النووي: والصحيح أن له حقيقة , وبه قطع الجمهور , وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب , والسنة الصحيحة المشهورة , انتهى.

لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين , أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط , منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج , فيكون نوعًا من الأمراض , أو ينتهي إلى الإحالة , بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا , وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني.

فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرًا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه، ونقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا , وكأنه عني القائلين بأنه تخييل فقط , وإلا فهي مكابرة.

وقال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر , وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته , وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة , وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق , أو تركيب أجسام , أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض , حتى ينقلب الضار منها بمفرده بالتركيب نافعًا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله: (يفرقون به بين المرء وزوجه) لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره.

قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًا في منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك. انتهى كلام ابن حجر رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت