قال الإمام القرطبي/: (وقد تأول بعض الناس:(مكتوب بين عينيه كافر) فقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه وشواهد عجزه وظهور نقصه، قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر).
قال القرطبي متعقبًا: (وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك) [1] .
د- ومن أشراط الساعة الصغرى حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يوشك الفرات أن يحسر [2] عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا) [3] وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو) [4] .
فهذا الحديث قد أخرجه بعض المعاصرين عن معناه أمثال محمد فهيم أبو عبية [5] وزعموا أن المراد بالذهب في الحديث هو البترول والنفط [6] .
(1) التذكرة 2/ 531.
(2) أي يكشف، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/368.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار 4/ 370 (7119) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب 4/ 2220 (2894) .
(5) انظر: تعليقه على كتاب النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير 1/208.
(6) ولاشك أن هذا التأويل باطل ومردود من عدة أوجه منها:
الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على جبل الذهب نصا لا يحتمل التأويل ومن حمل ذلك على البترول الأسود فقد حمل الحديث على غير ما أريد به وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثاني: أن البترول ليس بذهب حقيقة، وأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب، وإنما يقصدون بذلك أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير، فلذلك يطلقون عليه اسم الذهب الأسود.
الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب، أي يكشف عنه لذهاب مائه، فيظهر الجبل بارزا على وجه الأرض، وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون فيما بعد بلا ريب، وبحور البترول الأسود لم ينحسر الفرات عنها، وليست في مجرى النهر، وإنما هي في باطن الأرض، واستخراجها إنما يكون بالتنقيب عنها بالآلات من مسافات بعيدة عن باطن الأرض.
الوجه الرابع: أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو حسر الفرات عن كنز من ذهب، وفي الرواية الأخرى عن جبل من ذهب، وتخصيص الفرات بالنص ينفي أن يكون ذلك في غيره، ومن المعلوم أن بحور البترول ليست في نهر الفرات، وإنما هي في مواضع كثيرة من مشارق الأرض ومغاربها، وهي في البلاد العربية المجاورة للعراق أكثر منها في العراق.
الوجه الخامس: أن البترول من المعادن السائلة والذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بانحسار الفرات عنه هو الذهب
المعروف عند الناس وهو من المعادن الجامدة، ومن جعل المعدنين سواء فقد ساوى بين شيئين مختلفين.
الوجه السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الناس إذا سمعوا بانحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب ساروا إليه، فيكون عنده مقتلة عظيمة يقتل فيه من كل مائة تسعة وتسعون، وهذا لم يكن إلى الآن ومعلوم أن البترول الأسود قد وجد في العراق منذ زمن بعيد، ولم يسر أناس إليه عند ظهوره ولم يكن بسبب خروجه قتال البتة.
الوجه السابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى من حضر جبل الذهب أن يأخذ منه شيئًا، ومن حمله على الذهب البترولي الأسود لازم قوله أن يكون الناس منهيين عن الأخذ منه، وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
انظر: إتحاف الجماعة 2/ 185 - 186، ومنهج الحافظ ابن كثير في تقرير مسائل أشراط الساعة ص 217