فهرس الكتاب
كثيرة، فقد يتعرض لحادث يجعله ينزف دمًا فإن ترك الدم على حاله تلك فقد حياته وقد يتعرض لهجوم من دابة أو حيوان مفترس فإن لم يتداوى يدركه خطر السم فيموت، وقد يصاب بعدوى مرض خطير أو (فيروس) قتل فإن ترك علاجه تردت حاله فهلك، ففي هذه الأمثلة وأشباهها يجب عليه التداوي، ولا حجة له بالقول بالتوكل؛ لأنه إذا امتنع عن العلاج أصبح قد عرض نفسه للهلاك، فهو بهذا لا يختلف عمن يترك الطعام والشراب مع إمكان حصوله عليه حتى يموت، فدخل في حكم قول الله تعالى: (( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) ) [1] . وقوله عز وجل (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ) ) [2] . فكان كحال من قتل نفسه.
وأما القول بمنافاة التداوي للتوكل فيرد عليه بأن منزل الداء هو المنزل للدواء، وهو الله، فكلاهما من قدره، وكلاهما من حكمته وإرادته، وهذا هو معنى قول رسول الله - لأبي خزامة (هي من قدر الله) ، وهذا هو أيضًا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم الطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها) [3] . والطاعون في كلتا الحالتين من قدر الله. ولا يعني عدم الدخول إلى البلاد الموبوءة فرارًا من قدر الله، وهذا هو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رجع بمن معه إلى المدينة لما علم في الطريق عن
(1) سورة البقرة من الآية 195.
(2) سورة النساء من الآية 29.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، فتح الباري، ج 10 ص 189، برقم (5728) .