الصفحة 57 من 77

من كل تحريف وتبديل وزيادة ونقصان، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [1] . غاية في الوضوح بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

وإن الناظر في حال الأمة عبر تاريخها يرى بوضوح وجلاء أن منشأ كل مخالفة وبدعة ظهرت في الأمة وفشت فيها؛ قد انطلقت من أصل شرعي واجب أو مستحب، ثم تعتريها الشوائب مما تستحسنه العقول والأهواء من أفعال وإضافات وكيفيات وهيئات تدور بين الإفراط والتفريط في الأمر العتيق، فتلتبس تلك الأصول بالمحدثات وما لم يثبت في أفعال وأحوال الصدر الأول من هذه الأمة، ثم تبدأ مسيرة البعد عن الحق ومجانبة أهله، ويختلط الحق بالباطل، وتلتبس الأمور على الخلق والعباد، فيتعذر التمييز بين السنة والبدعة والعياذ بالله.

يقول الإمام البربهاري - رحمه الله: «واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطيع الخروج منها، فعظمت وصارت دينًا يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام» [2] .

ويقول الإمام ابن تيمية - رحمه الله: «فالبدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الاتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وفراسخ» [3] .

وإن من يستحضر المثال الذي ضربه رسول الله ليبين صراط الله المستقيم ويحذر من البدع والمحدثات، وهو ما رواه عبد الله بن مسعود، قال خط لنا رسول الله خطًا، ثم قال:

(1) سورة الحجر: 9.

(2) «شرح السنة» للبربهاري (ص 67) ، طبعة دار السلف (1997) م، تحقيق خالد الردادي.

(3) «مجموع الفتاوى» (8/ 425) طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف في المدينة سنة (1995) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت