عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا. فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ. وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ. فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ. وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ [1] .
المعنى: (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -) وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني تُوفِّيَ سنة 57هـ. (أَنَّ النَّبِيَّ) محمد (- صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَعْقِدُ) بكسر القاف أَيْ: يشد (الشَّيْطَانُ) أَيْ: إبليس أو بعض جنوده (عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ) : أَيْ: قفاه ومؤخره، وقيل وسطه (ثَلاثَ عُقَدٍ) جمع عقدة، والمراد بها عقد الكسل. واختلف في هذا العقد فقيل هو على حقيقته وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك , ومنه قوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) [2] وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وقيل مجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور بجامع المنع من التصرف (إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ) أَيْ: بيده تأكيدًا أو إحكامًا، قيل معنى يضرب يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى (فضربنا على آذانهم) أَيْ: حجبنا الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا (عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا) بالنصب على الإغراء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة فيتأخر عن القيام (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) أَيْ: من نوم الغفلة (فَذَكَرَ اللَّهَ) بقلبه أو لسانه، ولا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره , بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ، وفيه الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ , وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة في الصحيح (انْحَلَّتْ) أَيْ: انفتحت (عُقْدَةٌ) أي: عقدة الغفلة (وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ) أي: انحلت عقدة ثانية وهي عقدة النجاسة , وتم بها عقدتان (فَإِذَا صَلَّى) ولو ركعتين (انْحَلَّتِ الْعُقَدُ) بلفظ الجمع أَيْ: انحلَّت العقدة الثالثة وهي عقدة الكسالة والبطالة ويها انحلت العُقَد كلها (فَأَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح أو صار (نَشِيطًا) أَيْ: للعبادة (طَيِّبَ النَّفْسِ) أَيْ: ذات فرح لأنه تخلص عن وثاق الشيطان وتخفف عنه أعباء الغفلة والنسيان وحصل له رضا الرحمن، وصار مسرورًا بما وفقه الله له من الطاعة , وبما وعده من الثواب , وبما زال عنه من عقد الشيطان (وَإِلاَّ) أي: وإن لم يفعل كذلك بل أطاع الشيطان ونام حتى تفوته صلاة الصبح، أوحتى تفوته صلاة التهجد
(1) متفق عليه واللفظ لمسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، ح1295.
(2) سورة الفلق [الآية: 5] . .