ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا [1] .
المعنى: (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -) وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني تُوفِّيَ سنة 57هـ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ الْمَسْجِدَ) وبينما هو جالس في ناحية المسجد (فَدَخَلَ رَجُلٌ) هو خلاد بن رافع (فَصَلَّى) ركعتين، وفيه إشعار بأنه صلى نفلًا، والأقرب أنها تحية المسجد، وهذا الرجل صلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها، ثم انصرف من صلاته (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) قدم حق الله على حق رسوله؛ فصلى ركعتين أولًا ثم سلم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - (فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - السَّلامَ، قَالَ) الرسول - صلى الله عليه وسلم: (ارْجِعْ) أعد صلاتك (فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) فيه أن أفعال الجاهل في العبادة في غير علم لا تجزئ. (فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى) أي: في أول مرة، أي: لم يتم الركوع ولا السجود، (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) ، فيه استحباب تكرار السلام ورده. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: وَعَلَيْكَ السَّلامُ. ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. حَتَّى فَعَلَ) الرجل (ذَلِكَ) المذكور (ثَلاثَ مَرَّات) ٍ فإن قيل: لم سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعليمه أولًا حتى افتقر إلى المراجعة كَرَّة بعد أخرى؟ والجواب: لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغترًا بما عنده سكت عن تعليمه زجرًا له وإرشادًا إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه (فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ) أَقْسَمَ الرجلُ بالله - عز وجل - الذي بعث رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحق (مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا!) أي: لا أدري غير هذا (عَلِّمْنِي) وإنما لم يعلمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. (قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ) وفي رواية للبخاري: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر، وفيه دليل على أن غير التكبير لا يصح به افتتاح الصلاة (ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وفي رواية: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، ففيه تصريح بوجوب قراءة الفاتحة (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) وفي رواية: فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك وتمكن لركوعك (ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) وفي رواية: حتى تطمئن قائمًا؛ فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال، وفي رواية: فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) ومَكِّنْ جبهتك من الأرض، وفيه وجوب السجود والطمأنينة فيه , ولا خلاف في ذلك (ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا) فيه دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة. وفي الحديث دليل على أن صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود غير مجزية.
(1) متفق عليه واللفظ لمسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... ، ح602.