من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ , ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين , وأن أعمال البر يفضل بعضها على بعض. وفيه السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد , والرفق بالعالم , والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله , وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - والشفقة عليه , وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه.
2)حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا [1] .
يَسْتَهِمُوا ...: يقترعوا. ... التَّهْجِيرِ ...: التبكير.
الْعَتَمَةِ ...: صلاة العشاء. ... حَبْوًا ...: زحفًا.
المعنى: (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -) وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني تُوفِّيَ سنة 57هـ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ) وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم (النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) النداء هو الأذان (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: لو علموا ما في الأذان والصف الأول من الخير والبركة (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) أي: سبيلا إلى تحصيله بطريق (إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) الاستهام الاقتراع، قيل للاقتراع الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء فمن خرج سهمه غلب (لاسْتَهَمُوا) أي: على الأذان والصف الأول، ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه , ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان , أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله , ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق , وجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم , ثم لم يسمح بعضهم لبعض به , لاقترعوا عليه. يريد - صلى الله عليه وسلم - تعظيم أمر الثواب على الأذان والصف الأول فإن الناس لو يعلمون مقدار ذلك لتبادروا ثوابه كلهم
(1) متفق عليه واللفظ لمسلم في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها ... ، ح661.