والى الآن .. وكان سيل الجحاف في إمارة عبد الملك بن مروان وكيف سميت به قبل وجوده؟ وأغرب من ذلك أن سيل الجحاف كان بمكة واجتحف الحجاج من المحصب، وذهب بهم وبأمتعتهم، وهدم بمكة دور كثيرة ودخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، وكان ذلك سحر يوم التروية من عام ثمانين، وما شأنه والجُحفة حتى سميت به؟ وهذا مما يكون الإضراب عنه صفحًا أولى"."
وتصدى العبدري لأبي القاسم السهيلي (ت 581 هـ) وصحح له كثيرا من المعلومات التي أوردها في كتابه"الروض الآنف" (56) .
وتعقب العبدري أبا عبيد البكري (ت هـ) في مصنفه"المسالك والممالك"خطوة خطوة، وصوَّب له المعلومات التي أوردها وكانت تصويباته صادرة عن شاهد عيان، رأى المواضع وعاينها ممّا جعل كلامه يتصف بالدقة والموضوعية، سنكتفي بإيراد مثال واحد للدلالة على ذلك، قال العبدري (57) :"وما زال أهل الإتقان يقعون في مثل هذا، ألا ترى إلى أبي عُبيد البكريّ، مع تحقيقه وفرط اعتنائه، ونبل تواليفه قد أودع في (مسالكه) من الغلط في صفات البلدان، وتحديدها وترجمتها إلى مالا غاية ورائه فمن ذلك قوله في الياء مدينة بيت المقدس: أن الجبال محيطة بها، و إنما هي نَشَز من الأرض كما ذكر، وليس بالقرب منها جبل ..."
ومما يُضاف إلى ما تقدم أن العبدري كان عارفًا باللغة البربرية، ومتقنا لها، ولا عجب في ذلك لان قبيلته كانت تستوطن في منطقة يقطنها البربر، وآية ذلك تغليطه لأبي عبيد البكري في تسميته"تاد مكة"بقوله (58) : ... ومن ذلك انه ذكر من بلاد الصحراء بلدة يقال لها: تاد مكة، وترجمها فقال: معنى (تاد) الهيئة، أي أنها على هيئة مكة. وليس معنى تاد الهيئة كما ذكر، ولا الهيئة اسم في لسانهم البتة، و إنما معنى تاد هذه، وهي من أسماء الإشارة عندهم، يقولون لهذا: واد، ولهذين وهؤلاء ويد، ولهذه تاد، ولهاتين وهؤلاء تيد، وليس للمثنى عندهم عبارة سوى الجمع إلا في ألفاظ العدد، فمعنى تاد مكة: أي مشبهتها"."
لئن كان أصحاب كتب التراجم من معاصري العبدري لم يعطوه ما يستحق فإن الشيوخ الذين لقيهم في رحلته عاملوه بقدر كبير من الإجلال والتقدير اللذين يتناسبان ومكانته العلمية، إذ كان العبدري يعامل باحترام حيثما حلّ، لأن مناقشته العلمية ومناظراته كانت مثار إعجاب هؤلاء، وموضع تقديرهم، فالشيخ تاج الدين الغرافي، على علو منزلته، يعامله معاملة الند، فيأخذ