فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 15

كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها، ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة، لا في صورة نظرية، ولا في صورة لاهوت ولا في صورة جدل كلامي، ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها. وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها، كان هذا النمو ذاته ممثلًا تمامًا لنمو البناء العقدي، وترجمة حية له، وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك.

وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيناه، ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة، لم تكن مرحلة تلقي"النظرية"ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معًا، وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى.

هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت، وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة، ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها، ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك، لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموًا حيًا في خضم المعركة.

وهنا أحب أن اذكر الفرق بين نوعين من العلماء كلاهما يدافع عن الحق، كلاهما يتبنى نفس القضايا، إلا أن أحدهما ملتزم بالتصور الصحيح مع التزامه بالمنهج أما الآخر فإنه ملتزم بالتصور الصحيح مع عدم التزامه بالمنهج مما يجعل مساحة من الخلاف بينهما من حيث التعامل مع الواقع حيث قد ينكر الثاني على الأول بعض الأمور الخاصة بالواقع لأنه لم يطلع عليها لابتعاده عنها، وهذا أمر واقع بين العلماء كما أنكر بن عباس رضي الله عنهما التحريق بالنار لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الواقع الذي كان يواجهه الصحابة في حروب الردة كان يتطلب من الشدة والإثخان والغلظة ما يقذف الرعب في قلوب المرتدين حيث قلة المسلمين وكثرة الأعداء واجتراءهم على الدين مما يتطلب ذلك، ولا يعني ذلك أن حبر الأمة لم يكن ملتزمًا بالمنهج إنما هو مثال للتوضيح فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت