الصالحين دون ثَمَن، لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في شأن الرقية: (مَنِ استطاعَ منكم أن ينفع أخاه فليفعل) حيث أخرج مسلمٌ [1] وغيره [2] عن «جابر بن عبد الله» - رضي الله عنه - قال: كان لي خال يرقى من العقرب، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرُّقى، قال: فأتاه، فقال: يا رسول الله .. إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب، فقال - صلى الله عليه وسلم: (مَنِ استطاع منكم أنْ ينفعَ أخاه فليفعل) .
وحيث إنه قد تبين أن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من الأئمة والعلماء لَم يكونوا يأخذون أجرةً على دينهم ونفعهم الناس اقتداءً منهم بأنبياء الله تعالى ورُسُله - عليهم الصلاة والسلام -، فكذلك يجب على الرُّقاة المعالجين بكتاب الله - تعالى - وغيرهم أن لا يتاجروا بدِينه - سبحانه - ويشتروا به ثمنًا قليلًا كما يفعله كثير منهم اليوم بالرقية على مَن هبَّ ودبَّ وأخْذ الأجرة على ذلك.
زيادة توضيح وبيان لِما تقدم ذِكره من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) :
لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك حينما أخبره أولئك الصحابة - رضي الله عنهم - بِمَا جرى مِن مُشَارَطَتِهم للقوم على شِفاء سيِّدِهم، وليس هذا مُطْلقًا، بل هو بيانٌ لِهذا الحاصل بخصوصه.
ويوضِّح ذلك توقُّفُهم عن قسمة الْجُعْل وارتيابهم مِمَّا حصَل حيث قالوا لصاحبهم: (أخَذْتَ على كتابِ الله أجْرًا!) ؛ فالْمُتقرِّر عندهم - رضي الله عنهم - أنه لا يُؤْخَذ على كتاب الله أجرًا، وإنما أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ذلك حَلاَلٌ لهم بهذه المشارطة وحصول الشفاء، وقد حصَل.
فهي إذًا مسألة عينية خاصَّة، وإلا فلو كان ذلك عامًّا لفعَلَه الصحابة والسلف بل ولتنافسوا عليه لأنَّ صورةَ كلامِهِ - صلى الله عليه وسلم - لو كانَ عامًّا مُطْلقًا لكان معناه الإغراء والمدح لأخْذِ الأجرة على كتاب الله تعالى؛ ولو أخَذْنا بفهم البعض للحديث بأنه عامٌّ مُطلَق لأصبح كتاب الله - عزَّ وَجَلَّ- بضاعةً وحِرفةً للتكسُّب - والعياذ بالله -، وهذا خِلاف ما أُنزل
(1) في «صحيحه» برقم (2199) .
(2) كالإمام أحمد في «مسنده» برقم (15142) ، والبيهقي في «سننه الكبرى» برقم (19378) .