الصفحة 11 من 25

أمَّا قصة الرقية بالفاتحة على «اللديغ» فهي موضَّحة في الحديث حيث قال أحد الصحابة لَمَّا طلبوا منهم الرقية، قال: (نَعَم واللهِ إنِّي لأَرْقِي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا بِرَاقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلًا) ، فصالَحُوهم على قطيعٍ من الغنم [1] .

فقوله: (ولكن استضفناكم فلم تضيفونا) يُبين عِلَّةَ أخْذِ الْجُعل، ومعناه أنكم لِئام ولكن الله سَيُخرج حقنا منكم بتسليط العقرب على سيدكم؛ وقد ذكر ابن القيم ~ أنهم غير مسلمين، أو أهلُ بُخلٍ ولُؤم [2] .

ففي القصة عِلَّة وسَبب أخْذِ الأجرة؛ وفيها بيانُ شرط الشفاء حيث قال: (فانطلق يمشي وما به قلَبَة) ، قال: (فأوْفَوْهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه) ؛ وفيها - أيضًا - أنه من الْمُتقرِّر عند الصحابة - رضي الله عنهم - أنه لا تؤخذ أجرة على الرقية، لذلك عَلَّلوُا أخذَ الأجرة بأنهم لَم يُضيفوهم.

يوضِّح ذلك - أيضًا - ما جاء في «الصحيحين» من حديث «عقبة بن عامر» - رضي الله عنه - قال: قلتُ للنبي - صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا فننْزِل بقومٍ فلا يُقْرُوننا - أيْ يُضيِّفوننا -، فما ترى؟!؛ فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إنْ نزلتم بقومٍ فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف فاقْبَلوا، فإن لَم يفعلوا فَخُذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم) [3] ؛ وقد أخرجه «أبو داود» [4] وقال: (وهذه حُجة للرجُل يأخذ الشيءَ إذا كان له حَقًا) انتهى؛ فكل ما ورد في حديث الرقية الذي يحتج به أكَلَةُ أموالِ الناسِ بالباطل حجة عليهم.

فكيف يَحتجّ أهلُ الوقتِ على ما هو حجة عليهم؟!، ولذلك فلا يُعهد عن الصحابة - رضي الله عنهم - أخْذ الأجرة على الرقية ولا بشرط الشفاء غير هذه الحالة الاستثنائية؛ فتأمَّل.

ولهذا فلم يكن أخذ الأجرة على الرقية حِرْفَةً لهم ولا للتابعين ولا لِمَن يُعتدّ بهم من الأئمة والعلماء بعدهم، وإنما المعروف عنهم أنهم يَرْقون مَن طلب منهم ذلك من إخوانهم

(1) وقيمة الغنم كانت رخيصة آنذاك ولا تقارب ما نحن فيه.

(2) أنظر: «مدارج السالكين» ، (1/ 55) .

(3) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (5786) ، ومسلم في «صحيحه» برقم (1727) ، وغيرهم.

(4) في «سُننه» برقم (3752) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت