الصفحة 10 من 25

ومعلومٌ أن المريضَ أو مَن يقوم عليه يتشبث بأيِّ شيء يظن فيه شفاءه فيبذل ما يُطلب منه ولو كان فقيرًا، وهذا هو الحاصل، وقد نُزِعَت - والعياذ بالله - الرحمةُ والشفقةُ من قلوب بعضهم على المسلمين حتى إنه يتمنى أن تكثر الأمراض فيهم ليزداد ربحه ويفرح بكثرة الزبائن!، فتبين بما تقدم أنه على تقدير أخذ مقابل للرقية فيكون هذا عن مشارطة مُسَبَّقة على الشفاء، فالأحاديث التي يحتجون بها حجة عليهم، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب، وهي أحاديث «اللَّدِيغ» ، وإنما جعل الله ذلك للصحابة سببًا لأخذ حقهم من القِرَى الذي منعه هؤلاء اللئام، فالأصل عدم أخذ أجرة على الرقية حتى مع حصول الشفاء - بإذن الله -، لأن ذلك قُربة لله، وهو من حق المسلم على أخيه المسلم، فهو من أعمال البِرِّ كتغسيل الميت - مَثَلًا -.

قال أبو طالب: سألتُ أبا عبد الله «يعني الإمام أحمد بن حنبل» عن الرجل يغسِّل الميت بِكِراء؟! - أي بأُجْرَة -، فقال: (بِكراءٍ!!) ، واستعظم ذلك، قلتُ: يقول:"أنا فقير"؛ فقال: (هذا كَسْب سُوء!) ؛ قال ابن تيميه - معلقًا على ذلك: (وَوَجْه هذا أنَّ تغسيل الموتى من أعمال البِرِّ، والتكسُّب بذلك يُورِث تَمَنِّي موت المسلمين!، فيشبه الاحتكار) انتهى [1] .

فأخْذُ الأجرة على الرقية بشرط الشفاء هو من هذا الباب، لأن التكسُّب بذلك يُورث تَمَنيِّ مرض المسلمين وصرْعِهم، بل الرقية أعظم لأنها أخذ ثمن على القرآن والذكر، وقد ورد النهي عن ذلك عمومًا - كما تقدَّم ذِكرُ الأدلةِ في ذلك -، وقد قال «مُطرف بن عبد الله» ~: (إنَّ أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عمل الآخرة) انتهى [2] .

وإذا كان أخذ الأجرِ على شَرْط الشفاء هكذا، فكيف بما يُفعل اليوم من التكسُّب والمتاجرة دون شرط الشفاء!.

أما الصحابة - رضي الله عنهم - فحاشاهم من مثل هذه الأفعال ولا بشرط الشفاء فضلًا عن مثل ما يُفعل في زماننا.

(1) أنظر: «المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (4/ 52) ، و «الفتاوى الكبرى» (4/ 495 - 496) .

(2) «حلية الأولياء» (2/ 208) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت