وقال ابن كثير ~ على قول الله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [1] ، قال: (قال «الْحَسَن» "أجرًا"، وقال «قتادة» "جُعْلًا"، {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي أنت لا تسألهم أُجرةً ولا جُعْلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه كما قال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [2] ، وقال: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [3] انتهى [4] ؛ فهذه هي حال الأنبياء والمرسلين في خدمتهم الدِّين ودعوتهم إليه حيث لا يبتغون على ذلك الأجرَ إلاَّ من الله - تعالى -، لكن انظر اليوم إلى الدِّين وقد اتُّخِذ حِرفةً وتجارة في كل المجالات، حيث أصبح طَلَب العلم والإمامة والأذان والرقية وغير ذلك من أكبر ما يتنافس فيه المتنافسون اليوم لطلب الدنيا والحصول على المال!.
وقد جاء في الحديث الصحيح الوعيد الشديد فيمن طَلَب العلمَ للدنيا بأنه لَم يَجِد ريحَ الجنةِ يوم القيامة فضلًا عن أن يدخلها!، فَعَن «أبي هريرة» - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (مَن تعلَّم عِلْمًا مِمَّا يُبتَغَى به وَجهُ اللهِ - عزَّ وَجَلَّ - لاَ يَتعلمه إلاَّ ليصِيبَ به عَرَضًا من الدنيا لَمْ يجد عُرْفَ الجنةِ يوم القيامة - يعني ريحها -) [5] .
وكذلك الأذان حيث جاء النهيُ عن اتخاذ مؤذنًا يأخذ على أذانه أجرًا، فعَن «عثمان بن أبي العاص» - رضي الله عنه - قال: قلت:"يا رسول الله .. علِّمني القرآنَ واجعلني إمامَ قومي"؛ قال: فقال - صلى الله عليه وسلم: (أنتَ إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتَّخِذ مُؤَذِّنًا لاَ يأخُذ على أذانه أجرًا) [6] .
(1) سورة المؤمنون، آية: 72.
(2) سورة سبأ، من الآية: 47.
(3) سورة ص، آية: 86.
(4) «تفسير ابن كثير» ، (3/ 251) .
(5) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» برقم (78) ، وأبو داود في «سننه» برقم (3664) ، وابن ماجه في «سننه» برقم (252) ، وأحمد في «مسنده» برقم (8438) ، وأبو يعلى في «مسنده» برقم (6373) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» برقم (26127) ، والحاكم في «مستدركه» برقم (288) وقال عقِبه: (هذا حديث صحيح، سنده ثقات، رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه) انتهى، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في «رياض الصالحين» ص (371) ، وصححه ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (1/ 106) .
(6) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» في (باب الزجر عن أخذ الأجر على الأذان) برقم (423) ، وكذا أخرجه أبو داود في «سننه» في (باب أخذ الأجر على التأذين) برقم (531) ، والنسائي في «سننه الكبرى» برقم (1636) ، والبيهقي في «سننه الكبرى» برقم (1865) ، والطبراني في «معجمه الكبير» برقم (8365) ، وأحمد في «مسنده» برقم (16314) ، والحاكم في «مستدركه» برقم (715) وقال عقِبه: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولَم يخرجاه) انتهى؛ وإسناده حسَن.