وفي رواية أخرى عن «عثمان بن أبي العاص» أنه قال: (إنَّ آخر ما عَهِد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ أتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجْرًا) [1] .
فإذا كان هذا في الأذان فما بالك بالإمامة حيث هي أولى بالتحذير من أن يُتخذ عليها أجرًا!.
وقد قال أمير المؤمنين في الحديث «سفيان الثوري» [2] لرجل ضَرِير كان يجالسه فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى"السَّواد"فيصلي بالناس، فَيُكْسَى ويُعْطَى، فقال سُفيان: (إذا كان يوم القيامة أُثِيبَ أهلُ القرآنِ مِن قراءتهم، ويُقال لِمِثْل هذا:"قد تعجَّلت ثوابك في الدنيا") ، فقال: يا أبا عبد الله .. تقول لي هذا وأنا جليسك؟!، فقال «سفيان» : (أخاف أن يقال لي يوم القيامة كان هذا جليسك أفَلاَ نَصَحتَه؟!) انتهى [3] .
إنَّ الفاسق وحتى الكافر إذا رأى مَن يتديَّن وقد اتخذ الدِّينَ بضاعةً وتجارةً وحِرْفةً - كما هو حاصل اليوم في كل المجالات؛ لكن الكلام هنا على التكسب بالرقى- فإنه يظن أنَّ هؤلاء يمثلون حقيقة الدين، وأن السلف على هذه السيرة؛ فقد يزهد فيه أو يقتدي بهؤلاء فيسلك طريقَ كَسْبِ الدنيا بالدين بلا عناءٍ كَمَا قال أبو سفيان «صالح بن مهران» ~: (وضَعوا مفاتيحَ الدنيا على الدنيا فلم تنفتح، فوضعوا عليها مفاتيح الآخرة فانفتَحَت!) [4] .
وقد سُئل «عبدُ الله بن المبارك» عن سَفَلة الناس؟!، فقال: (الذي يأكل بدِينِه!) [5] .
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» برقم (2368) ، والترمذي في «سننه» برقم (209) وقال عَقِبه: (حديث حَسَن صحيح) .
(2) قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (1/ 204) ورقم (198) في ترجمة"سفيان": (الإمام، شيخ الإسلام، سيد الحفاظ؛ وقال"شعبة"و"يحيى بن معين"وجماعة: ["سفيان"أمير المؤمنين في الحديث] ، وقال"ابن المبارك": كَتبتُ عن ألفٍ ومائة شيخ ما فيهم أفضل من"سفيان"!) انتهى مختصرًا.
(3) «حلية الأولياء» ، (7/ 16) .
(4) أنظر: «طبقات المحدثين بأصبهان» لأبي الشيخ ابن حيان الأصبهاني، (2/ 217) .
(5) «شعب الإيمان» برقم (6934) ، و «حلية الأولياء» (8/ 168) .