الأصل في عدة مواضع من كتابه , ومنه قوله عن الخمر والميسر: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [سورة البقرة: الآية 219]
فمفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه , فإن الله لا يحرمه , ولا يمنعه , وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه , أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء , وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير , كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة , وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون , بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك , فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف , بل ولا مرض , وربما كان في ذلك نفع له إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا , أو صاحب حق كبير , أو أخذ عليه نفعا دنيويا ينفعه , أو ينفع من بعده.
ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات , وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار. ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث , له أثره الأكبر في هذه الأمور , كما هو معلوم مشاهد , والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء , وأمر بالتداوي , خصوصا وعموما , فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا , ووضعه في الآخر من غير ضرر يلحق المأخوذ منه , فهو داخل فيما أباحه الشارع , وإن كان قبل ذلك وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر , فيراعى كل وقت بحسبه , ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها , وتحريم التمثيل بها , فيقال: هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا , أو ربما أدى إلى الهلاك , وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته , فأما في هذا الوقت , فالأمران مفقودان: الضرر مفقود , وانتهاك الحرمة مفقود , فإن الإنسان قد رضي كل الرضى بذلك , واختاره مطمئنا مختارا , لا ضرر عليه , ولا يسقط شيء من حرمته , والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة.