فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل.
فقال هؤلاء المجيزون: هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور , فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة أخذ جزء من أجزاء الإنسان لإصلاح غيره إذا لم يكن فيه ضرر , وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) و (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد) .
فعموم هذا يدل على هذه المسألة , وأن ذلك جائز. فإذا قلتم: إن هذا في التوادد والتراحم والتعاطف كما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في وصل أعضائه بأعضائه. قلنا: إذا لم يكن ضرر , ولأخيه فيه نفع , فما الذي يخرجه من هذا؟ وهل هذا إلا فرد من أفراده , كما أنه داخل في الإيثار , وإذا كان من أعظم خصال العبد الحميدة مدافعته عن نفس أخيه وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أو ماله , فهذه المسألة من باب أولى وأحرى , وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه وإن طالت المشقة , وعظمت الشقة , فهذه كذلك وأولى.
ونهاية الأمر أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن , فحيث انتقلت الحال إلى ضدها , وزال الضرر والخطر , فلم لا يجوز؟!
ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة , ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل , ومجاراة الأحوال , إذا لم تخالف نصا شرعيا , لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون , وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه , تركه ولم يلتزمه , فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال , يحفف الشر , ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك , لضعف الإيمان , وعدم الرغبة في الخير , كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة , بل يجاري الأحوال والأزمان , ويتتبع المنافع والمصالح الكلية والجزئية , فإن الملحدين يموهون على الجهال , أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة , وهم في ذلك