و بذلك يتبين-مما تقدم ذكره- أن أسانيد الرواية الشيعة- المتعلقة بحادثة غدير خم- كلها غير صحيحة، و أن الرواية السنية صحيحة الإسناد.
و أما من جهة النقد المتني لمضمون الروايتين السنية و الشيعية، فإن الرواية السنية متنها له إسناد صحيح، يتقوى به و يرتكز عليه من جهة، و هو متن مُتفق تماما مع الشرع و العقل من جهة أخرى. فهو يأمر بالتمسك بكتاب الله، و يُذكّر و يُوصي المسلمين بأهل البيت النبوي.
و أُشير هنا إلى أنه توجد روايات ذات نزعة شيعية وردت في كثير من المصادر السنية هي موافقة للرواية الشيعية و مُخالفة للرواية السنية المعتمدة التي سبق ذكرها. و هي على ثلاث مجموعات: الأولى تتضمن روايات تتعلق بحادثة غدير خم و ما جاء فيها. و الثانية تتضمن روايات محتواها -في الغالب-نفس مضمون الرواية الشيعية و المجموعة الأولى، لكنها لا تتعلق بحادثة غدير خم، و إنما تتعلق بحادثة إرسال النبي-عليه الصلاة و السلام- لعلي بن أبي طالب إلى اليمن ليقبض الخمس، أو لأمر آخر. و الثالثة ليس فيها ذكر لحادثتي الغدير، أو الإرسال إلى اليمن، لكنها تتضمن قول:"من كنت مولاه، فعلي مولاه". و لمعرفة حقيقة أسانيد [1] هذه الروايات سنحقق المجموعات الثلاث فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
ففيما يخص المجموعة الأولى فهي تتضمن ست روايات، الأولى رواها ابن أبي شيبة بإسناده: (( حدثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه و سلم- في سفر، قال: فنزلنا بغدير خم. قال: فنودي الصلاة جامعة وكسح لرسول الله صلى الله عليه و سلم تحت شجرة فصلى الظهر فأخذ بيد علي فقال ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟، قالوا بلى. قال فأخذ بيد علي، فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم، وال من والاه، وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ) ) [2] .
و هذه الرواية إسنادها لا يصح لضعف راويين من رجاله، هما: علي بن زيد بن جدعان: ليس بالقوي لا يحتج به، و عدي بن ثابت قيل فيه: مُنكر الحديث، غالٍ في التشيع و داعية إليه [3] .
و الرواية الثانية-من المجموعة الأولى- من رواية أحمد و البزار في مسنديهما: (( حدثنا إبراهيم بن هانيء قال: نا عفان قال: نا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيدة، عن ميمون أبي عبد الله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع نزلنا مع رسول
(1) و أما نقد متن تلك الروايات فسنعود إليه لاحقا، إن شاء الله تعالى.
(2) ابن أبي شيبة: المصنف، حققه كمال يوسف الحوت، ط1، مكتبة الرشيد، الرياض، 1409، ج 6 ص: 372.
(3) هناك من وثقه لكن التجريح أسبق من التعديل، خاصة و قد ثبت أن الرجل كان غاليا و داعية للرفض. أنظر: الذهبي: المغني في الضعفاء، ج 1 ص: 422، 437. و العقيلي: الضعفاء الكبير، ج 1 ص: 366 و ما بعدها.