فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 181

كان يتشيع من غير غلو، و إذا ذكر إنسانا و وصفه بأنه جيد الحفظ و أثنى عليه، فهو شيعي؛ و إذا قال: فلا كان مرجئا، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به [1] .

و أما الراوي الثاني قال فيه بعض نقاد الحديث: ليس بالقوي، و ليس بذاك، و لم يكن عبد الرحمن بن مهدي يُحدث عنه شيئا. و قال فيه ابن حِبان: كان يقلب الأسانيد و يرفع المراسيل من حيث لا يدري، فبطل الاحتجاج بأخباره [2] .

و آخرهم-حبيب بن أبي ثابت-، وُثق، إلا أنه كان كثير الإرسال و التدليس [3] . و هو في هذا الحديث عنعن و لم يُصرّح بسماعه من يحيى بن جعدة، فحديثه ضعيف بسب ذلك.

و آما عدم صحته متنا لأنه تضمن أمرا باطلا، و هو قوله:"يا أيها الناس أنه لم يبعث نبي قط إلا ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله"،و عند الطبراني"يا أيها الناس إنه لم يبعث نبي قط إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله". ومعنى ذلك أنه إذا كان نوح-عليه السلام- عاش نحو 1000 سنة، و الذي يأتي من بعده يعيش نصف عمره، فهذا يستلزم أنه بعد 6أنبياء سيعيش الذي يأتي بعدهم أقل من عشر سنوات، ثم يختفي الأنبياء كلية، لأنهم لن يُولدوا أبدا، و لن يظهر موسى، و لا عيس، و لا محمد-عليهم الصلاة و السلام-. و هذه نتيجة باطلة بلا شك أوصلنا إليه متن ذلك الحديث، و هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن نبي، و لا يقوله إنسان يعي ما يقول.

و الشاهد على عدم صحته أيضا أن هذا الجزء المستحيل من الحديث رُوي أيضا منفصلا عن حادثة غدير خم و ما جرى فيها، مع الاختلاف في بعض رواته، و هو كالآتي: (( كامل بن العلاء الكوفي الحماني، ويقال التميمي قاله وكيع أبو عبد الله سمع أبا صالح مولى ضباعة، وحبيب بن أبي ثابت، نا عبيد العطار قال: نا كامل قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم-:"ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش النبي الذي كان قبله") ) [4] . واضح أن أبا نعيم الفضل بن دكين هو الذي غير موجود في هذا الإسناد، و الحديث لا علاقة له بحادثة غدير خم، فماذا يعني هذا؟! إنه أُلحق بالحديث الأول لغاية مُخطط لها سلفا، و تلاعب به المحرفون. و من الذي فعل ذلك؟ الله أعلم بحقيقة ذلك، لكن يبدو لي أن الفضل بن دكين هو الذي فعل ذلك، لأن الخبر يتوافق مع تشيعه، و هو الساقط من الإسناد الثاني و موجود في الأول، و لأنه معروف بالتدليس حتى أنه كان يُدلس أحاديث مناكير [5] .

و أما المجموعة الثانية-من الروايات السنية الموافقة للشيعية- فتتضمن سبع روايات كلها تتعلق بإرسال النبي-صلى الله عليه و سلم- علي بن أبي طالب إلى اليمن و ما ترتب عنه. الأولى مفادها ما جاء في مسند أحمد: (( حدثنا عبد الله حدثني، أبي ثنا بن نمير، حدثني أجلح الكندي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بعثين إلى اليمن على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال إذا التقيتم فعلي على الناس وان افترقتما فكل واحد منكما على جنده. قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه قال بريدة فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يخبره بذلك، فلما أتيت النبي -صلى الله عليه و سلم-دفعت الكتاب، فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله- صلى الله عليه و سلم- فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به. فقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-:"لا تقع في علي فإنه منى وأنا منه، وهو وليكم بعدي، و أنه منى وأنا منه، وهو وليكم بعدي") ) [6] .

و إسناد هذه الرواية لا يصح، لأن من رواته: أجلح بن عبد الله بن حجية، ضعيف، شيعي، ليس بالقوي، لا يُحتج به [7] .

و الرواية الثانية رواها الطبراني بإسناده: (( حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن منصور الحارثي قال: نا أبي قال: نا حسين الأشقر قال: نا زيد بن أبي الحسن قال: ثنا أبو عامر المري، عن أبي إسحاق، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بعث رسول الله- صلى الله عليه و سلم -عليا أميرا على اليمن، وبعث خالد بن الوليد على الجبل ... وأخذ علي جارية من الخمس، فدعا خالد بن الوليد بريدة فقال: اغتنمها فأخبر النبي- صلى الله عليه و سلم- بما صنع."... فلما سمع النبي خرج (( "مغضبا وقال: ما بال أقوام ينتقصون عليا، من ينتقص عليا فقد انتقصني ومن فارق عليا فقد فارقني. إن عليا مني وأنا منه، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم". و قال: يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ، وأنه وليكم من بعدي. فقلت: يا رسول الله بالصحبة إلا بسطت يدك حتى أبايعك على الإسلام جديدا. قال: فما فارقته حتى بايعته على الإسلام") ) [8] .

و هذا إسناد لا يصح، لأن من رجاله: حسين الأشقر، و هو ضعيف، ليس بالقوي، غالٍ في تشيعه، شتام للسلف [9] . و منهم أبو إسحاق-السبيعي-، و هو

(1) هناك من وثقه، لكن الجرح أسبق من التعديل. أنظر: ابن حجر: التقريب، ج 2 ص: 287. و تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 194. و الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 238. و حماد الأنصاري: التدليس و المدلسون، ص: 20.

(2) وُجد من وثقه، لكن الجرح أسبق من التعديل إذا ثبت. أنظر: الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 3 ص: 171، 271، 272. و ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 290.

(3) ابن حجر: التقريب، ج 1 ص: 181.

(4) البخاري: التاريخ الكبير، حققه هاشم الندوي، دار الفكر، 1986، ج 7 ص: 107.

(5) سبق توثيق ذلك.

(6) أحمد بن حنبل: المسند، ج 5 ص: 356. و النسائي: السنن الكبرى، ج 5 ص: 138.

(7) هناك من وثقه لكن الجرح أسبق من التعديل. المزي: تهذيب الكمال، ج 2 ص: 277.

(8) الطبراني: المعجم الأوسط، ج 6 ص: 162 و ما بعدها.

(9) الذهبي: المغني، ج 1 ص: 80. و الكمال الخزرجي: خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، ص: 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت