فهرس الكتاب
على أن تلك الروايات كان من ورائها رواة شيعة و مجهولون لغايات في أنفسهم، منها خدمة أهداف مذهبية مُخطط لها سلفا على حساب الحقيقة التاريخية. فهي في الحقيقة روايات شيعية وردت في مصادر سنية، و ليست روايات معبرة عن الموقف السني المعتمد. و هي روايات تسربت أساسا إلى المصادر السنية بسبب تساهل بعض رواة و نٌقاد أهل الحديث في قبولهم لتلك الأحاديث و أمصالها.
و ثانيا إن تلك الروايات ليست روايات متواترة، و إنما هي روايات آحاد، فلوكانت متواترة لثبتت صحتها إسنادا. و بما أنه سبق أن بينا عدم صحتها إسنادا، فهذا دليل دامغ على أنها روايات آحاد رويت عن بعض الصحابة، أثبت التحقيق العلمي عدم صحتها كلها إلا واحدة فقط مخالفة لما قررته الرواية الشيعية و السنية الموافقة لها. فلو كانت صحيحة و متواترة لرواها عدد كبير من الصحابة بحكم أن ما روته تلك الروايات حدث بين عدد كبير من الصحابة و سمع به كثير منهم.
و ثالثا إن تلك الروايات تشهد على نفسها بأنها روايات مختلفة و متضاربة تلاعب بها المحرفون و الكذابون، و وجهوها حسب أهوائهم و مصالحهم. فمرة تقول: إن النبي- عليه الصلاة و السلام- قال في علي بن أبي طالب:"من كنت مولاه فعلي مولاه"،و مرة تقول قال:"ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"،و مرة قال:"دعوا عليا، دعوا عليا، إن عليا مني وأنا منه، و هو ولي كل مؤمن بعدي"،و مرة قال:"اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"،و مرة قال:": ما بال أقوام ينتقصون عليا، من ينتقص عليا فقد انتقصني ومن فارق عليا فقد فارقني. إن عليا مني وأنا منه، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم"، و مرة ... و مرة ... . فهذ الاختلافات و التضاربات دليل دامغ على بطلان معظم تلك الروايات ,و تعرضها للتحريف المُتعمد. فلا يُعقل و لا يصح أن يصدر كل ذلك عن النبي-صلى الله عليه و سلم-!!.
و أخيرا- رابعا- إنه يتبين من تلك الروايات أن الرواية السنية الصحية و المعتمدة لا تقول بما قالت به الرواية الشيعية و الروايات السنية الموافقة لها، و إنما تخالفها في ذلك معتمدة على روايتين صحيحتين، لا توجد فيهما ولاية، و لا إمامة، و لا وصية: الأولى تتعلق بحادثة غدير خم، مضمونها أن النبي-عليه الصلاة و السلام قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربى فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به». فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» . وزاد في حديث جرير «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل» )) [1] . و الثانية تتعلق بإرسال علي إلى اليمن و ما جرى له هناك، فقال النبي-عليه الصلاة و السلام- للصحابي الذي جاءه بالخبر:"يا بريدة أتبغض عليا؟"
(1) مسلم: الصحيح، ج 7 ص: 122، 123.