فهرس الكتاب
مقبول، لأن ما فعله علي جعله في موقف تهمة من أصحابه. و هو في الحقيقة موقف لا يُشكر و لا يُحمد عليه، فهو تصرف من تصرفات ضعف النفس الإنسانية أما شهوة الجنس. و لهذا من الشرع و المنطق أن جواب النبي -عليه الصلاة و السلام- لا يكون مكافأة له على ما فعل، فيجعله وليا و وصيا له، و مولى كل المسلمين، بسبب ذلك التصرّف!!. و إنما يكون جوابا آخر مناسبا للحادثة، و هذا هو الذي ذكرته الرواية السنية الصحيحة التي ذكرت أن الرسول قال لبريدة:"يا بريدة أتبغض عليا؟ فقلت نعم. قال: لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك". فعلي لم يرتكب حراما، و لا يصح بغضه. لكن لا يصح و لا يُقبل أيضا أن رجلا يقع على سبية في ظرف حرج، فيُكافأ على ذلك بأن يُجعل وليًا و وصيًا للنبي من بعده، و ومولى كل مؤمن!!.
و كذلك روايات غدير خم التي ذكرت أن الرسول قام في الصحابة و قال لهم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، فأخذ بيد علي فقال:"من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، و ..." [1] . فلا يوجد أي سبب صحيح، أو معقول يجعل النبي يقول ذلك في علي. و ماذا فعل و ما ذا قدّم علي ليُجازى بذلك، دون غيره من الصحابة؟، و لماذا هو فقط؟. و لهذا وجدنا الرواية السنية الصحيحة لم تذكر ما زعمته الرواية الشيعية في قولها بالوصية و الإمامة و الولاية لعلي، و إنما أمرت بالتمسك بكتاب الله، و ذكّرت المسلمين و أوصتهم بأهل بيت النبي عليه الصلاة و السلام.
و أما رواية غدير خم التي قالت أن سبب قول الرسول ذلك في علي هو نزول آيات من القرآن تأمره بذلك، و هي: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} -سورة المائدة:67 - ، و {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ} -سورة المائدة:3 - [2] . فهذا زعم باطل، بدليل الشاهدين الآتيين: الأول هو أن الآيتين شاهدتان على بطلان ذلك الزعم، لأن الأولى عامة أمرت الرسول بأن يُبلغ كل ما أنزله الله إليه، و هو دين الإسلام كله. و الثانية أعلنت أن دين الإسلام قد أكمله الله تعالى، و رضيه لنا دينا. و لا يوجد فيهما إشارة من قريب و لا من بعيد لعلي، و لا للوصية، و لا للإمامة. و لا يصح تخصيصهما بلا دليل صحيح من داخلهما، و لا يصح تحميلهما ما لا يحتملان، و لا يصح التسلط عليهما بروايات بشرية لتحريفها و توجيهها توجيها مذهبيا لغايات في النفوس. و الذي لا شك فيه هو أن مما بلغه النبي-صلى الله عليه و سلم-،و جاء به دين الإسلام: النظام السياسي الإسلامي، و هو النظام الشوري الإختياري، و ليس نظام الوصية و الإمامة التي تقول بها الشيعة الإمامية، و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه فلا نعيده هنا.
(1) نفس المصدر، ج 1 ص: 267.
(2) الكليني: الكافي، ج 2 ص: 177.