فهرس الكتاب
و الألباني صحح شطرين من الحديث: الأول"من كنت مولاه فعلي مولاه من الحديث"، و قال أنه متواتر، و الثاني"اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". و ضعّف الشطر الثالث"وانصر من نصره، واخذل من خذله" [1] .
و أقول: إن الحَكُم هنا هو الدليل لا الأشخاص، و عليه فإن الصحيح هو أن ذلك الحديث كله غير صحيح، و قد سبق أن بينا عدم صحته إسنادا و متنا، و بينا أنه مخالف للصحيح المتعلق بحادثي غدير خم و إرسال علي إلى اليمن. و بينا أن تعدد طرقه لم يكن عامل جبر له، و إنما كان عامل هدم له، بسبب ضعف رواته، و تضارب متونه.
و لا يصح القول بأن شطره الأول هو حديث متواتر، لأن المتواتر هو الخبر الذي يرويه عدد كبير من الناس تُحيل العادة على تواطئهم على الكذب، و له أربعة شروط يجب أن تتوفر فيه [2] . و هذا لم يتوفر في حديث غدير خم الشيعي، فقد سبق أن بينا عدم صحة أسانيده، و أنه حديث آحاد رواه قلة من الصحابة. و لو كان متواترا ما اختلف حوله علماء أهل السنة. لأن المتواتر يفرض نفسه بالضرورة.
و إذا فرضنا جدلا صحة الشطر الأول من ذلك الحديث، فهو لم يُقل في حادثتي الغدير، أو إرسال علي إلى اليمن، لأنه سبق أن بينا أنه مخالف للصحيح المتعلق بالحادثتين، و لا يتفق معهما من حيث سبب الورود؛ و إنما ربما قيل في حادثة أخرى. و الشاهد على ذلك أنه رُوي أن أسامة بن زيد قال لعلي -رضي الله عنهم-: لست مولاي إنما مولاي رسول الله"صلى الله عليه وسلم-"فقال عليه السلام"من كنت مولاه فعلي مولاه" [3] .
و هذا الحديث مع أنه لا يصح إسنادا [4] ، إلا أن متنه يتفق مع سبب وروده. و واضح منه أن أسامة نفى أن يكون علي مولاه من جهة العتق، لأن النبي-عليه الصلاة و السلام- هو الذي أعتق أباه زيد بن حارثة، فهو إذن مولاه من جهة هذه العلاقة. و الحديث لم ينف هذه العلاقة، و إنما تجاوزها إلى علاقة الإيمان و أخوة الإسلام، و من ثم فعلى مولاه، كما أن زيدا هو أيضا مولاه. لأن المسلمين بعضهم أولياء بعض لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} -سورة التوبة:71 - ، و: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} -سورة المائدة:55 - . و من ذلك يتبين أن هذا الحديث -على فرض صحته- فهو لا
(1) الألباني: الصحيحة، ج 4، ص: 267.
(2) هي: 1 - أن يرويه عدد كثير من الرواة. 1 - أن تُوجد هذه الكثرة في جميع طبقات الإسناد. 3 - أن تُحيل العادة تواطؤ الرواة على الكذب، كأن يكونوا من بلدان، و أجناس، و مذاهب مختلفة. 4 - أن يكون مُستند خبرهم الحِس من سمع و بصر و لمس. و المتواتر يُفيد العلم الضروري، بمعنى أنه يُفيد اليقين. و أما الآحاد فهو ما لم يجمع شروط المتواتر، و هو يُفيد العلم النظري المتوقف على النظر و الاستدلال. محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث، ص: 18، 19، 21.
(3) أبو جعفر النحاس: معاني القرآن الكريم، حققه علي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ج 6 ص: 411.
(4) لأنه روي بلا إسناد، و لم أعثر له على إسناد في المصادر الأخرى التي ورد فيها، فهو لا أصل له.