فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 181

لأن موضوع الخلافة قد حسمه القرآن الكريم الذي شرّع للخلافة الشورية، و لم يُشرّع للإمامة الشيعية. و هذا الذي التزم به الرسول عندما أراد أن يُوصي لأبي بكر بالخلافة من بعده ثم تركه. لكن الرواية الشيعية على النقيض من ذلك فقد قالت أن الوصية بالإمامة لعلي و بنية من أصول الدين، و قد نصّ عليها القرآن مرارا، و أعلنها الرسول في أصحابه عدة مرات، كان آخرها قبيل وفاته عندما أراد أن يكتب لعلي بالوصية و الإمامة من بعده، فمنعه عمر بن الخطاب من كتابتها. فما حقيقة الأمر؟، و هل النبي أوصى بالخلافة لأحد من بعده، أم لم يُوص؟، و لماذا حدث هذا التناقض؟، و هل حقا أن عمر بن الخطاب فعل ذلك؟،و هل تَصدُق عليه اتهامات الرواية الشيعية له؟.

تلك التساؤلات-و غيرها - سيجيب عنها تحقيقنا الإسنادي و المتني للروايتين السنية و الشيعية. فبالنسبة لأسانيد الرواية السنية، فإن إسناد الشاهد الأول هو القرآن الكريم، و هو سند قطعي متواتر يعطي للنص يقينا إسناديا و متنيا.

و الشاهد الثاني تضمن حادثتين: الأولى وردت بإسنادين، الأول رواه البخاري بإسناده: (( حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا، هشام، عن معمر، و حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ) ). و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات [1] ،و قد صححه الشيخان في صحيحيهما [2] ، و صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأسانيد مسند احمد بن حنبل [3] .

و الإسناد الثاني -من الحادثة الأولى من الشاهد الثاني- رواه البخاري و مسلم بإسناد واحد تقريبا، قال البخاري: (( حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير، سمع ابن عباس- رضي الله عنهما- يقول: ) )، و مسلم (( حدثنا سعيد بن منصور، و قتيبة بن سعيد، و أبو بكر بن أبى شيبة، و عمرو الناقد - واللفظ لسعيد - قالوا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ) ). و هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات معروفون [4] . و قد صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث مسند أحمد بن حنبل [5] .

و الحادثة الثانية من الشاهد الثاني وردت بإسناد واحد من رواية مسلم بإسناده: (( حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثنا صالح بن كيسان، عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: ) ). و هذا إسناد صحيح رواته كلهم ثقات [6] . و قد أورده مسلم في صحيحه، و صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير [7] .

و أما الشاهد الثالث-من الرواية السنية- فقد ذكرتُه بلا إسناد، لأن ما تضمنه من الإشارة إلى اختلاف الصحابة حول الخلافة بعد النبي-عليه الصلاة و السلام- هو خبر متواتر يقيني لا يحتاج إلى إسناد لنحققه.

و الشاهد الأخير تضمن إسنادين: الأول يتعلق بحديث غدير خم كما ذكرته الرواية السنية المعتمدة، و قد سبق تحقيقه في المبحث السابق [8] . و الثاني من رواية لمسلم بإسناده: (( حدثنا سعيد بن منصور، و قتيبة بن سعيد، و أبو بكر بن أبى شيبة، و عمرو الناقد - واللفظ لسعيد - قالوا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ) ). و هذا إسناد صحيح سبقت الإشارة إليه [9] .

و بذلك يتضح جليا أن أسانيد الرواية السنية-المتعلقة باستخلاف النبي لأحد من بعده- كلها صحيحة. منها ما اعتمد على السند القرآني، و منها اعتمد على الإسناد المتواتر، و الباقي أسانيد آحاد أثبت التحقيق النقدي صحتها.

و أما الرواية الشيعية-المتعلقة بنفس الموضوع- فتضمنت أربعة أسانيد، الأول يتعلق بسبب نزول آية إنذار العشيرة الأقربين، و قد بينا عدم صحته سابقا [10] . و الثاني يتعلق برواية ذِكْر ولاية علي في القرآن، و قد أثبتنا عدم صحته في الفصل الأول [11] . و الإسناد الثالث يتعلق بحادثة غدير خم، و قد سبق أن توسعنا في نقد أسانيد الروايات الشيعية و السنية الموافقة لها، و بينا عدم صحتها فيما قالته عن الولاية، و الوصية، و المولاة [12] .

و الإسناد الأخير-الرابع- هو من رواية المفيد بإسناده: (( أخبرني أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي قال: حدثنا أبو الحسين العباس بن المغيرة الجوهري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عنبسة قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن العباس قال: ) ). و هذا إسناد لا يصح لضعف كثير من رجاله، منهم: يونس بن يزيد بن أبي النجاد، ضعيف من جهة ضبطه، و عنبسة بن خالد، ضعيف [13] ، و أحمد بن صالح المصري [14] ، مُتهم بالكذب، و العباس بن المغيرة

(1) أنظر: ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 2 ص: 26، 97، 133، 478. و تهذيب التهذيب، ج 10 ص: 38، ج 12 ص: 111.و ابن حبان: الثقات، ج 5 ص: 26.

(2) عن البخاري سبق توثيقه، و أما مسلم فانظر: الصحيح، ج 5 ص: 76.

(3) ج 1 ص: 324.

(4) ما عدا سليمان بن أبي مسلم الأحول ن فهو غير مشهور، لكنه ثقة. ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 1 ص: 391.

(5) ج 2 ص: 222.

(6) بالنسبة للشهاب الزهري فهو ثقة، و قد تقدم مرارا، و عن الباقي فانظر: ابن حجر: التقريب، ج 1 ص: 671، ج 2 ص: 333. و تهذيب التهذيب، ج 1 ص: 80، ج 3 ص: 275، ج 7 ص: 12.

(7) ج 1 ص: 49.

(8) الثالث من الفصل الثاني.

(9) هو الإسناد الثاني من الحادثة الأولى من الشاهد الثاني ضمن الرواية السنية التي نحن في صدد تحقيق أسانيدها.

(10) في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

(11) المبحث الثاني.

(12) أنظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني.

(13) عنهما أنظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 110، ج 11 ص: 319.

(14) ابن عدي: الكامل في الضعفاء، ج 1 ص: 367. و الذهبي: المغني، ج 1 ص: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت