يبدو أنه مجهول الحال، فلم أعثر عليه في كتب السنة و الشيعة، و المفيد محمد بن النعمان، ضعيف من جهة عدالته، فقد كان غالٍ في التشيع، يطعن في الصحابة و التابعين و أئمة المجتهدين [1] .
و من ذلك يتبين أن أسانيد الرواية الشيعية -المتعلقة بموضوع استخلاف النبي لأحد من بعده- أثبت النقد الإسنادي عدم صحتها كلها.
و أما النقد المتني للروايتين السنية و الشيعية، فإن الرواية السنية متنها أولا قائم على أساس صحيح، يتمثل في السند القرآني القطعي، و السند الحديثي الصحيح، و الإسناد التاريخي المتواتر اليقيني. و هذا ينعكس إيجابا على مضمون الرواية السنية، فيُقويها و يجعلها قائمة على أساس قوي متين.
و ثانيا إن ما قرره المتن السني من أن النبي-عليه الصلاة و السلام- لم يوص بالخلافة لأحد من أصحابه، هو أمر صحيح متفق تماما مع القرآن الكريم الذي شرّع للخلافة الشورية، و لم يُشرّع للإمامة الشيعية، و متفق أيضا مع التاريخ الصحيح الذي يشهد على أن النبي-صلى الله عليه و سلم- توفي و لم يُوص لأحد من الصحابة بالخلافة من بعده.
و ثالثا إنه يجب أن نفهم ما ورد عن الصحابة في الشاهد الثاني من الرواة السنية فهما صحيحا قائما على المنطلقات الشرعية الصحيحة، و الموضوعية العلمية، دون خلفيات مذهبية مُسبقة مغرضة تُحمّل النصوص ما لا تحتمل. من ذلك أنه واضح من الرواية السنية أن النبي-عليه الصلاة و السلام- أراد أن يكتب للصحابة وصية تتعلق بمن يكون خليفة من بعده، فأراد أن يعين أبا بكر- رضي الله عنه- ثم ترك ذلك باقتناع منه، و لمصلحة رآها، تماشيا مع ما نص عليه القرآن الكريم، و أن الله تعالى أعلمه بأن أبا بكر سيكون هو الخليفة من بعده، و هو الذي قرره الشاهد الثاني بالجمع بين روايتيه، و عبّر عنه النبي-عليه الصلاة و السلام- بقوله:"ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
و المثال الثاني هو أنه ورد في رواية أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- قال للصحابة:"ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده"،و في أخرى «ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى» ، و في أخرى"ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا". هذه الأقوال كلها تحمل معنى واحدا، هو أن الرسول سيعين لهم من يكون خليفة من بعده، و من ثم لا يختلفون فيما بينهم من سيخلفه. و عبارة"لا تضلوا بعده أبدأ"لا تعني عدم اختلافهم إلى الأبد، فهذا مردود بقوله"لا تضلوا بعدي"، و"لا تضلوا بعده"، و محكوم أيضا بموضوع الوصية، و هو من سيخلفه من بعده. و عليه فإن معنى قوله"لا تضلوا بعده أبدا"، أي أن هذا الكتاب يعصمكم من الاختلاف مطلقا، فيما يتعلق بمن سيكون خليفة من بعدي. علما بأن الوصية التي أراد أن يكتبها لهم ليست بديلا عن القرآن الكريم، و لا نقضا له، و إنما
(1) ابن حجر: لسان الميزان، ج 5 ص: 291.